بحث عن تاريخ السودان - تقرير شامل ومفصل عن تاريخ السودان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سأقدم الان بحث شامل عن تاريخ السودان واليكم التفاصيل


يقع السودان بين غرب أفريقيا ودول الشرق مع اتصاله بالبحر الأحمر واحتلاله شطراً كبيراً من وادي النيل وكونه يربط بين أوروبا ومنطقة البحر المتوسط وأواسط أفريقيا جعله في ملتقي الطرق الأفريقية. وعلي اتصال دائم بجاراته. فنشأت علاقات تجارية وثقافية وسياسية بين مصر والبلاد السودانية منذ الأزل، وكان قدماء المصريين يسمونه(تانحسو) أي "أرض الأرواح "أو "أرض الله "عندما بهرتهم خيراته.
سكن الجنس النوبي قديما السودان في العصور الحجرية (8000ق م - 3200 ق م). واتخذ أول خطواته نحو الحضارة. فقاموا بصناعة الفخار واستعمال المواقد والنار للطبخ. كان العرب يطلقون علي المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا الممتدة من المحيط الأطلنطي غرباً إلي البحر الأحمر والمحيط الهندي شرقاً.
وفي عهدي الدولة الوسطي بمصر والدولة الحديثة ضمّ أحمس جزءاً في جنوب مصر أطلق عليه فيما بعد كوش. وأصبحت اللغة المصرية القديمة هي اللغة الرسمية. ولا سيما بعدما طرد أحمس مؤسس الأسرة الثامنة عشر للهكسوس من مصر. ووصل تحتمس الثالث حتى الشلال الرابع. وكان ملوك الدولة الحديثة يعينون نوابًا عنهم لإدارة الجنوب المصري. وظهرت اللغة الكوشية أثناء مملكة كوش، وكانت لغة التفاهم بين الكوشيين قبل ظهور الكتابة المروية نسبة لمدينة مروي التي تقع على الضفة الشرقية للنيل شمال قرية البجراوية الحالية. وكانت عاصمة للسودان ما بين القرن السادس ق.م. والقرن الرابع الميلادي. عندما ازدهرت تجارة الصمغ والعاج والبخور والذهب بين الجزيرة العربية وبين موانئ السودان والحبشة. وكانت للسودان علاقات مع ليبيا والحبشة منذ القدم. وفي الأثار السودانية كانت مملكة مروي علي صلة بالحضارة الهندية في العصور القديمة. وكان الإغريق يسمون البلاد الواقعة جنوب مصر "أثيوبيا وقال هوميروس عنها أن الآلهة يجتمعون في السودان في عيدهم السنوي.


السودان والإغريق والرومان

وفي العهد المروي كانت العلاقات وطيدة بين السودانيين والبطالمة بمصر ولا سيما في عهد بطليموس الثاني. كما كانت العلاقـة وثيقة بين كوش واليونانين لدرجة ظهر ثأثير الحضارة الإغريقية في الأثار بمروي. وبعد غزو الرومان لمصر حاولوا الاحتفاظ بالحدود الجنوبية المصرية. ولم يعترف الكوشيون بحق الرومان في إقليم روديكاشنوش، وبسطوا نفوذهم عليه باعتباره جزءاً من بلادهم. وحاربوا الرومان عام 39 ق.م عندما ظهر جباة الضرائب لأول مرة في إقليم طيبة. حتى اضطر الإمبراطوردقلديانوس إلى إخلاء منطقة "روديكاشنوس"، ونقل الحامية الرومانية من المحرقة إلي أسوان، وأقر أن يدفع إتاوة سنوية لأهل كوش مقابل عدم محاربتهم للإمبراطورية الرومانية. وتبين أثار مملكة مروي العلاقة الوثيقة بين الرومان والكوشيين، ولا سيما في فن العمارة.


التفاعل مع شبه الجزيرة العربية

وكان بين السودان وشبه الجزيرة العربية والشواطئ العربية والإفريقيـة صلات قديمة عبر البحر الأحمر. حيث ازدهرت تجارة الصمغ والعاج والبخور والذهب بين السودان والحبشة من ناحية وبين موانئ الجزيرة العربية من ناحية أُخرى. ومنذ 2000 سنة ق.م. احتلت إمبراطورية الحبشة بلاد اليمن كما حدثت هجرات عربية من شبة الجزيرة العربية إلى أرض النوبة في شمال السودان...


السودان قبل التاريخ

وأظهرت الحفريات الأثرية آثارا سودانية منذ حوالي عام 3100 ق. م. إلي 2000 ق.م. ونجد أن إنسان السودان اتخذ أول خطوة معروفة نحو الحضارة في أفريقيا بصناعة الفخار واستعماله. وكان هؤلاء السكان، وهم سكان الخرطوم القديمة يعيشون في مجتمع متطور مقسم إلى حرف ومهن كما يظهر من آثارهم


حضارة المجموعتين الاولي والتانية
ولا يُعرف شيء عن السودان علي وجه التحقيق ما بين عامي 3800 ق.م. و3100 ق. م. ولكن توجد قبور في أماكن مختلفة ببلاد النوبة تمثل ثقافة لا تُعرف من قبل ويرجع تاريخها عام 3100 ق.م، ويطلق عليها "حضارة المجموعة الأُولي "، ومن بين آثارها التي وُجدت في هذه القبور الأواني الفخارية والأدوات النحاسية.
وهناك كانت حضارة أُخري تُعرف "بحضارة المجموعة الثانية"تلت ثقافة المجموعة الأُولي.
وفي الفترة مـا بين 2240 ق.م - 2150 ق.م ظهرت في بلاد النوبة حضارة تُعرف بثقافة عصر "المجموعة الحضارية الثالثة".


المجموعة الحضارية الثالثة

بعد نهاية دولة مروي قامت ثلاثة ممالك نوبية. فكانت في الشمال مملكة النوباطيين التي تمتد من الشلال الأول إلي الشلال الثالث وعاصمتها "فرس". ويليها جنوبـاً مملكة المغرة التي تنتهي حدودها الجنوبية عند "الأبواب"التي تقع بالقرب من كبوشية جنوب مروي القديمة، وهذه المملكة عاصمتها "دنقلا العجوز "، ثم مملكة علوة وعاصمتها سوبا وتقع بالقرب من الخرطوم. وإتحدت مملكتا النوباطيين والمغرة فيما بين عامي 650- 710 م وصارتا مملكة واحدة. وصلت النوبة قوة مجدها في القرن العاشر الميلادي وكان ملك النوبة المدافع الأول عن بطريرك الكنيسة المرقسية بالإسكندرية. ولما إنهزم "كودنيس "آخر ملك علي مملكة دنقلا "عام 1323 م، انتهت الدولة المسيحية. وبعد ذلك اعتنق السودانيون الإسلام. فتاريخ الفترة التي تمتد من القرن الثامن قبل الميلاد إلي القرن الرابع الميلادي، نجده في الكتابات التي تركها السودانيون علي جدران معابدهم بالشمال وفي الأهرامات كأهرامات جبل البركل ونوري التي بناها ملوك نبتـة ومروي، والأثار علي ضفتى النيل ما بين وادى حلفا وسنار وفي منطقة بوهين وفرس وعبد القادرو نبتـة ومروي القديمة وفركة وجنوب وادى حلفا والكوة وبكرمة بمنطقة دنقلة، وفي منطقة جبل البركل ومروي. والأهرام الملكية في البجراوية والحصون التي شُيدت في السودان في عصر إمبراطورية مروي وفي قرية الشهيناب علي الضفة الغربية من النيل وسوبـا بالقرب من الخرطوم، ودير الغزالة بالقرب من مدينة مروي الحديثة. وفي وادى حلفـا بعمارة غرب، وسيسي "مدينتان محصنتان وفيهما معابد بُنيت من الحجر الرملى ".. وبجانب الأثار هناك، توجد عدة كتابات لكُتاب رومان وإغريق إلا أن معظمها يعتمد علي الإشارة والتلميح كما أنها لا تعدو أن تكون أوهاماً.


السودان في القرن العاشر

وفي القرن العاشر الميلادي كان السودان منقسماً إلى:
1. مملكة الداجو في دارفور وكانت عاصمتها جبل مرة ثم أم كردوس فكلوا.
2. مملكة المقرة في الشمال وكانت دنقلا عاصمة لها.
3. مملكة علوة على النيل الأزرق وعاصمتها سوبا.
4. مملكة البجة في شرق السودان ومقر ملكها في هجر.
أشار الدكتور آركل إلى أنه في منتصف القرن الرابع الميلادي انقسمت مملكة الداجو إلى عدة ممالك غرب النيل. ويعتقد أن الداجو جاءوا من مروي بعد سقوطها على يد عيزانا ملك مملكة أكسوم الحبشية فاستطاع ملوك مروي الهروب جنوب غرب نهر النيل وأنشأوا مملكة في دارفور. وكانت عاصمة المملكة الأولى في جبل قدير حيث توفي ملك الداجو قدير ودفن تحت الجبل وأطلق اسمه عليه في كردفان ثم نقلها السلطان أحمد الداج إلى جبل مرة ثم تحولت في عهد السلطان عبد الله بحر إلى أم كردوس. ولما جاء عهد السلطان الطاغية عمر كسيفورو حول العاصمة إلى جبل كلوا. وهناك حدثت القصة المشهورة التي أدت إلى ركوبه التيتل ففر به إلى أن سقط رأسه في دار سلا حيث أنشأ الداجو سلطنة هناك (الآن تتبع لجمهورية تشاد). وبقي بطن من الداجو تحت إدارة سلطان يدعى أحمد تنجر وهو شقيق السلطان عمر كسيفورو حاكما على دارفور وغير العاصمة إلى مدينة أوري في الشمال. في عهد الظاهر بيبرس تم إرسال حملة للقضاء على مملكة المقرة المسيحية سنة 1276م. وهُزِمَ الملك داود، وكانت تلك الحملة من الحملات القوية حتى انهم استطاعوا أن يقلبوا الكنائس إلى مساجد. فاستمر التدفق الإسلامي جنوباً حتى جاوروا مملكة علوة التي كانت تدين بالمسيحية أيضاً، فتحالف العرب بقيادة عبد الله جماع مع الفونج وهاجموا علوة وكان أول هجوم لهم من بوابة علوة من اربحي حيث تعد اربجي الميناء الرئيسي لعلوة علي النيل الأزرق كما هي حامية رئيسة لعلوة علي النيل الازرق وبعد معركة أربجي 1504 وانتصار الفونج دخلوا سوبا وخربوها خراباً مشهوراً حتى أُطلق المثل "خراب سوبا". بانتصار الفونج وحلفائهم العرب في 1504 م بدأت أول سلطنة عربية إسلامية في السودان وكان سلطانها هو قائد الفونج في معاركهم "عمارة دونقس"وكان قائد العرب "عبد الله جماع"وزيراً له، وتم الاتفاق أن يكون السلاطين من الفونج والوزراء من العرب. دخل الدين الإسلامي إلى السودان في الشمال والشرق والغرب والوسط والقليل من المناطق الجنوبية، وانتشرت مع الإسلام اللغة العربية التي بدأت تسود البلاد وتختلط بالسودانيين حتى تكونت اللهجة السودانية الحديثة.
بعد فترة طويلة من المجد والعظمة ضعفت السلطنة الزرقاء (سلطنة الفونج) بسبب المعارك مع مملكة الفور على مناطق كردفان سنة 1748 التي أجهدت المملكتين عسكرياً واقتصادياً.



الغزو التركي 1820

بعد أن حكم محمد علي باشا مصر أراد أن يكون له جيشاً قويا بسبب الأطماع الأوروبية الهادفة إلى الاستيلاء على بلاده، وخاصة بعد الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت الذي استمر من 1798 ولم ينتهِ إلا بالصلح الذي عقده الفرنسيون مع الإنجليز سنة 1802 ثم حاولت إنجلترا غزو مصر في 1807 فيما عرف بحملة فريزر لكن المقاومة الشعبية في رشيد صدت غزوهم. فعمل الباشا جاهداً على أن يوسع رقعة حكمه شرقاً إلى الحجاز، غرباً إلى ليبيا وجنوباً إلى السودان ليضم هذه البلدان تحت إمبراطوريته حتى انه شمل في تهديده الإمبراطورية العثمانية شمالاً. بدأ بأراضي الحجاز فهاجمها في السنوات ما بين 1811 - 1818م وانتصر على السعوديين وبعدها اتجه غربا فأمّنَ حدوده الغربية حتى واحة سيوة سنة 1820.
لم يبق له سوى تأمين الحدود الجنوبية، إن حملاته ضد [الحجاز] شغلته عن ذلك سابقاً حتى أرسل وفداً يحمل في ظاهره الصداقة والمودة إلى سلطان الفونج في 1813 وكانت مهمة الوفد استقصاء الحقائق حول الوضع السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي والحربي. وقد حمل الوفد هدايا إلى السلطان تقدر قيمتها بـ 4 ألف ريال (كانت العملة السائدة في السودان في ذلك الوقت الريال النمساوي أو الإسباني أو المكسيكي) فرد السلطان الهدية بما يتناسب ورغبات الباشا ولكن أهم ما حمله الوفد في طريق عودته كانت التقارير التي تفيد ضعف السلطنة خاصة والسودانيين عامة بالإضافة إلى خلو السودان من الأسلحة النارية. رغم ذلك تأخر الغزو بعد ذلك عدة سنوات لأن الوهابيين لم تنكسر شوكتهم بعد. أراد محمد علي أن يكون جيشه حديثاً ومجهزاً بأحدث الأسلحة وبنظام وتدريب حديثين، لكنه علم أن جنوده لن يقبلوا هذا النظام بسبب عدم اهتمامهم وبسبب عدم رغبتهم في إطاعة الأوامر. فقرر أن يستجلب الجنود من السودان وكان هذا من الأسباب التي دفعته إلى الاستيلاء على السودان. كان السوداني بقامته العسكرية وشجاعته المعهودة من احسن الجنود. اشتهر السودان منذ القدم بأن أراضيه غنية ب الذهب وكان محمد علي في حاجة إليه لانفاقه على بلاده عسكرياً وصناعياً وحتى زراعياً.
خلال القرن الثامن عشر كانت الحبشة تشكل تهديداً للمصريين والسودانيين بتحويلها لمجرى النيل وخاصة بعد الأنباء التي أشاعت أن الإنجليز وأوروبا عامة مساندة لفكرة التحويل. أراد محمد علي أن يأمن هذا الأمر أيضاً باستيلائه على السودان، بالإضافة إلى ما في ذلك من زيادة للرقعة الزراعية لأراضيه. أراد محمد علي من السودانيين أن يكونوا على مودة مع الوالي لكن الأمر لم يكن كذلك إذ أن المماليك الذين هربوا من مكائده اتخذوا من شمال السودان موطناً لهم بالقرب من مملكة الشايقية، حيث أنشؤوا مملكة لهم كانت بمثابة طعنة في ظهر محمد علي، لذلك قرر أن يقضي عليهم خوفاً من أن تزيد سلطتهم ويسيطروا على السودان فيشكلوا خطراً على حكمه. كان محمد علي يرمي إلى استغلال تجارة السودان واحتكار حاصلاتها وتسويقها في السوق العالمية عن طريق مصر. من أهم صادرات السودان آن ذاك : العاج، الأبنوس، ريش النعام والجلود هذا بالإضافة للذهب الذي طالما اعتقد المصريون وجوده في السودان بكميات مهولة، كما أن السودان كان سوقاً جيداً للصادرات المصرية. وإذا حصرنا هذه الأسباب نجدها:
تأمين البلاد ضد الغزو الأوروبي باستجلاب الجنود من السودان. وبزيادة رقعة وعدد سكان بلاده.
الحصول على التمويل لدعم القطاعات المختلفة في مصر باستغلال الذهب والتجارة والحاصلات السودانية.
تامين مجرى النيل المصدر الوحيد لري الأراضي المصرية وزيادة المساحة الزراعية.
وجود المماليك في السودان.
بعد عودة الوفد المصري التركي الذي أرسله محمد علي باشا ما لبث أن قدم إلى مصر الشيخ بشير ود عقيد من قرية أم الطيور قرب عطبرة في 1816 وطلب من محمد علي أن يعينه على خصمه ملك الجعليين الذي أقصاه من مشيخته، اعتقد الشيخ أن الباشا سيساعده فأبقاه الباشا واكرم وفادته حتى أعد العدة لفتح السودان وأرسله مع الجيش سنة 1820، ثم عينه شيخاً على شندي في آخر الأمر بعد نزوح المك نمر إلى الحبشة. وأرسل أيضاً جيشاً آخر إلى سلطنة الفور ليستولي على كردفان ودارفور.


(الحملة الأولى) الزحف إلى سنار يوليو 1820

تولى قيادة الجيش الأول إسماعيل بن محمد علي باشا وضم الجيش 4500 من الجنود فيهم الأتراك والأرناؤوط والمغاربة (لوحظ عدم وجود أي مصري بين الجنود، إذ كان الجيش من المرتزقة الذين تعود الأتراك أن يجندوهم) وتسلحوا بالبنادق و24 مدفعاً. كان الباشا يعلم أن السودانيين يجلون علماء الدين أجلالاً عظيما فأرسل مع الجيش ثلاثة من أكبر العلماء وهم: القاضي محمد الأسيوطي الحنفي، السيد أحمد البقلي الشافعي والشيخ السلاوي المكي، وكان عليهم أن يحثوا الناس على وجوب طاعة الوالي ويتجنبوا سفك الدماء (لحرمتها) ويطيعوا الخليفة العثماني وواليه في مصر. ما أن ارتفعت مياه النيل في فيضان يوليو 1820 حتى اندفعت 3000 مركبة تشق النيل من أسوان متجهة جنوبا ومثل ذلك العدد من الجمال كان يسير على اليابسة تابعاً للحملة (يوجد عدم تناسق بين الأرقام الواردة عن هذه الحملة وعلى سبيل المثال عدد الجنود لا يتناسب مع عدد المراكب والجمال، لكننا نسرد الأرقام تماماً كما وردت في المرجع). وجد حكام شمال السودان أنفسهم ضعافاً أمام الحملة نظراً لتفرقهم إلى ممالك صغيرة، فسلموا الأمر إلى إسماعيل باشا. أما المماليك فهرب جزء منهم إلى الجعليين وسلم البعض الآخر نفسه إلى إسماعيل.



معركة كورتي نوفمبر 1821

لم يقابل جيش إسماعيل أية عقبة حتى وصل الديار الشايقية الذين اعتزوا بسطوتهم على جيرانهم وثورتهم على الفونج. آثر الشوايقة الخضوع للحكم على أن لا يتدخل الباشا في شؤونهم لكن إسماعيل وضع شروطا كان أهمها هو تسليمهم الخيل والسلاح (الأبيض) وأن يفلحوا الأرض فلم يقبلوا بذلك وعزموا على القتال. بدأ النصر يلوح للشوايقة حتى انهم قطعوا أذاني عدوهم بقيادة الملك صبير حاكم غرب الشايقية وإلى المقاومين الذين لحقوا بالمماليك في دار جعل، بقيادة الملك جاويش حاكم عموم الشوايقة في مروي. فمنح إسماعيل مكافأة لكل جندي يقتل شايقياً ويأتي بأذنيه دليلاً وكان من جراء ذلك أن عاد الجنود بعدد ضخم من آذان القتلى والأحياء لكن هذه القسوة محتها المعاملة الحسنة من علي كاشف مشلي أحد قادة جيوش إسماعيل حين أعاد الفتاة صفية بنت صبيرشيخ السواراب أحد ملوك الشوايقة التي كانت تؤلب الرجال وتثير فيهم الحماس ليستميتوا في قتالهم ضد الغزاة. انضم رجال الملك صبير إلى جيش إسماعيل برغبة منهم فساروا معه لإخضاع بقية الأراضي. وذهب الملك جاويش إلى المتمة حيث المك نمر لكن المك أبى أن يقبل التحالف معه فاتجه جنوباً إلى حلفاية الملوك الذين رفضوا أيضاً فهاجمهم بخيالته ثم اتجه شمالاً ليعلن عن رغبته في الانضمام إلى جيش إسماعيل. بانضمام الشايقية إلى الجيش الغازي كان لهم تاريخ جديد هو التعاون مع الأتراك والمصريين حتى قيام الثورة المهدية. وكانت نزعتهم هي أن يكونوا سادة مع السادة مهما كان الأمر بدلاً من أن يعيشوا كسائر الرعية، وربما كان حبهم للجندية هو أهم دافع لهم على السير في جيش إسماعيل. قرر المك نمر الإذعان للجيش الغازي فانضم للجيش فألحقه إسماعيل بجيشه ليضمن ولاءه. وسار الجيش حتى بلغ الحلفايا دار العبدلاب حتى جاء ملكهم الشيخ ناصر بن الأمين خاضعا للجيش فتركه سيداً على بلاده وأخذ ابنه ليضمن ولاء العبدلاب كما جعل من المك نمر ضماناً لولاء الجعليين وكان ذلك في 1821.


اجتياح سـنــار

سار الجيش متجها نحو سنار عاصمة مملكة الفونج فأرسل إسماعيل إلى الوزير محمد ود عدلان الذين كان ممسكاً بزمام الحكم بدلاً من السلطان بادي السادس. وطلب إسماعيل باشا الولاء للخليفة العثماني فكتب له ود عدلان رسالته المشهورة: لا يغرنك انتصارك على الجعليين والشايقية، فنحن هنا الملوك وهم الرعية. أما علمت بأن سنار محروسة محمية، بصوارم قواطع هندية، وجياد جرد أدهمية، ورجال صابرين على القتال بكرة وعشية. كان ظاهراً أن ود عدلان لم يكن يعيش واقع عصره إذ أن جواسيسه أخبروه أن الجيش قوامه 186 ألف محارب (نلاحظ أن الجيش المتحرك من مصر كان 4500 جندي) حتى انه أخذ يطلب العون من الأولياء والصالحين بدلاً من تجنيد الجند من القبائل ومحالفة القبائل الأخرى ليستعد لمقابلة الجيش. تم اغتيال ود عدلان بسبب مشاكله مع أبناء عمومته قبل أن يصل إلى اتفاق مع الفور بشأن توحيد الكلمة لمحاربة الغازي. بدأ الأرباب دفع الله الوزير الجديد للسلطنة بالمفاوضات في ود مدني مع إسماعيل ونقل إليه رغبة السلطنة في الخضوع بعد أن أدرك أنه لا فائدة ترجى من المقاومة. لما اقترب إسماعيل من سنار خرج إليه بادي السادس (الذي كان شاباً في الخامسة والعشرين) مبايعاً وتنازل عن سلطانه لخليفة المسلمين في 13 يونيو 1821. هكذا انتهت سلطنة الفونج التي عاشت في ربوع السودان من عام 1504 – 1821م، بدخول الجيش في اليوم التالي دخول الغزاة المنتصرين وهم يقصفون البر ومن خلفهم سار السلطان السابق بعد أن عينه إسماعيل شيخاً على سنار ليجمع الضرائب ويسلمها للإدارة التركية المصرية.


الحملة الثانية - حملة كردفان ودارفور

أرسل محمد علي جيشاً آخر بقيادة صهره محمد بك الدفتردار لضم غرب السودان إلى أملاك مصر. ولقد أمد الكبابيش وهي القبيلة التي تقطن بين مصر والمناطق الغربية للسودان والتي كانت تحمل البضائع من وإلى مصر من تلك المناطق أمدت جيش الدفتردار بما احتاج إليه من جمال لنقل العتاد إلى غرب السودان وكانوا خير دليل لتحديد أماكن الآبار ومناطق المعسكرات. سار جيش الدفتردار عقب انطلاق الجيش الأول وقبل أن يصل إلى الأبيّض عاصمة الفور أرسل إلى سلطانها محمد الفضل ينصحه بالتسليم فرد ود الفضل: أما علمت أن عندنا العباد والزهاد، والأقطاب والأولياء الصالحين من ظهرت لهم الكرامات في وقتنا هذا وهم بيننا يدفعون شر ناركم، فتصير رماداً، ويرجع إلى أهله والله يكفي شر الظالمين. لكن الدفتردار تقدم إلى كردفان دون أن يعترضه أي معترض فلما علم الوالي خرج بعسكره متجهاً شمالاً إلى بارا ليواجه الجيش الغازي.


واقعة بار 16 أبريل 1821م
التقى الغزاة مع جيش المقدوم مسلم والي كردفان الذي عينه السلطان محمد الفضل وهوسلطان دارفور الذي ضم كردفان إلى مملكته وعين محمد الفضل حاكما على كردفان تحت سلطانه وعقبهم في كردفان يسمون بالمسبعات، فاندفع جيش الأخير لا يظن سوى النصر (كما فعل الشايقية من قبل) لكنهم تفاجئوا بسقوط الجنود بالرصاص فعلموا أنه لا قبل لهم بعدوهم وهم يحملون السيوف والرماح. وهكذا انتهت واقعة بارا بانهزام الوطنيين وانتصار الغزاة فسقطت كردفان في يد الدفتردار قبل سقوط سنار في يد إسماعيل. لم يحاول السلطان المقاومة بل نزح إلى الفاشر ينتظر تطورات الموقف. لم يسر الدفتردار أبعد من الأبيّض لندرة المياه في تلك المناطق فأعلن محمد علي باشا عدم رغبته في فتح دارفور بل فكر في إخلاء كردفان والتنازل لأحد الملوك ليدفع الجزية إلا أن الدفتردار أقنعه بالعدول فعدل عن ذلك في 1822م.وبذلك سقطت كرفان من سلطنة الفور.التي كانت تحت امرة ملوك دارفور منذ عهد السلطان تيراب الذي كان عاصمته شوبا احدى ضواحى مدينة كبكابيه الآن وبه اثار مسجده العتيق شاهدا للتاريخ.


مقـتل إسماعيل بن محمد علي باشا 1822
بدأت الثورات تظهر في مختلف المناطق بسبب الازدياد المتواصل في الضرائب التي فرضها الأتراك على السودانيين إذ أن الضرائب السنوية للممتلكات كانت تقدر بنصف الثمن. فلما هدأت تلك الثورات بعد أن زاد الولاة في قسوتهم وزادوا في ضرائب الجهات الثائرة إذ أن الجزيرة زيدت ضرائبها من 35،000 ريال إلى 50،000 ريال وكذلك أراضي الجعليين.
وصل إسماعيل باشا إلى شندي في ديسمبر 1822 وأمر المك نمر والمك مساعد بالمثول أمامه وعند حضورهما بدأ الباشا بتأنيب المك نمر واتهامه بإثارة القلاقل ومن ثم عاقبه بأن أمره أن يدفع غرامة فادحة، فدرها (1000 أوقية ذهب، ألفي عبد ذكر، 4 آلاف من النساء والأطفال، ألف جمل ومثلها من البقر والضأن) واختلفت المصادر في الأعداد لكن اتفقت في استحالة الطلب ثم راى زوجة المك نمر (سعيدة) فاعجب بجمالها فطلبها هي أيضا. رد المك باستحالة الطلب فأهانه الباشا وضربه بغليونه التركي بإساءة بالغة أمام الحاضرين. حتى أن المك رفع سيفه فأوقفه المك مساعد وتحدث إليه ب اللغة الهدندوية (التي عرفوها عن طريق التجارة مع سكان البحر الأحمر) فأبدى المك رضوخه وأظهر خضوعه بأن دعا الباشا إلى العشاء وذبح له الضأن وهيأ له الحرس وأمعن في خدمته وأخبره أن الغرامة ستدفع في صباح اليوم التالي، أثناء ذلك كان الجعليون يطوقون الحفل بالقش من كل مكان مخبرين رجال الباشا أنها للماشية التي ستحضر وقبيل انفضاض الحفل أطلق الجعليون النار في القش فمات إسماعيل ورجاله خنقاً وحرقاً. نتيجة لذلك ساءت معاملة المغتصبين أشد الإساءة حتى أنهم قتلوا في إحدى المرات 30،000 من الجعليين العزل، استمر المك نمر في إغارته على الدفتردرا حتى بلغت خسائر رجاله عدداً عظيما بفضل السلاح الناري فهاجر المك ومعه عددا لن يستهان به من الفبيلة إلى حدود الحبشة حيث خطط مدينة أسماها المتمة أسوة بعاصمة الجعليين في الشمال ومكث هناك عدة سنين حتى مات.
استمر الحكم الدفتردار العسكري للسودان واستمرت المجازر البربرية كما أن الجنود الذين لم يتسلموا مرتباتهم لمدة ثمانية أشهر بدءوا بالبطش والنهب ليجدوا متطلبات حياتهم، إلى أن ثار الرأي العام الأوروبي، فأمر محمد علي، الدفتردار بالعودة سنة 1824 محاولة منه إنهاء الحكم العسكري وإرساء نظام إداري أكثر إنسانية.
عند الدخول التركي عينت سنار عاصمة للسودان إلا أن أمطارها الخريفية وكثرت الأمراض فيها اضطرتهم إلى تغييرها إلى ود مدني إلى أن أتى عثمان باشا الذي خلف الدفتردار عقب عودته إلى مصر وأعجب بالمنطقة التي يقترن فيها النيل الأبيض بالأزرق فبنى قلعة ووضع فيها الجند سنة 1824 واتخذها عاصمة له. تلك كانت بداية مدينة الخرطوم التي ازدهرت وسكنها 60 ألف نصفهم من المصريين واليونان واللبنانيين والسوريين وأعداد من الأوروبيين. اهتم خورشيد باشا أيام حكمه 26-1838 بتحسين الخرطوم وإنشاء المنشآت كما شهدت الخرطوم في عهده نوعا جديدا من الحكم إذ امتاز بإشراك السودانيين في الحكم كما عين الشيخ عبد القادر ود الزين مستشاراً له، الذي ساعده بدوره في حل الكثير من مشكلات السودان وأهمها هجرة السودانيين إلى المناطق المتاخمة للحبشة والبحر الأحمر هرباً من البطش والضرائب، فأعفى المتأخرات وأعفى الفقهاء ورجال الدين ورؤوس القبائل من الضرائب فبدأت الوفود بالعودة.


التقسيم الإداري في عهد محمد علي
بعد استقرار الأحوال قليلا في السودان قسم محمد علي البلاد على النظام الإداري التركي إلى 6 مديريات: دنقلا، بربر، الخرطوم، سنار، كردفان وفازوغلي (كما وردت في المرجع). ثم ضمت مديرية التاكا في الشرق فأصبحت السابعة. سنة 1834 أطلق محمد علي اسم الحكمدار لحاكم السودان وأعطيت له السلطات العليا الإدارية، التشريعية، التنفيذية والعسكرية. لكنه غير النظام سنة 1843 لتخوفه من الحكمدار أحمد باشا شركس (أبو ودان) الذي كان طموحا وأراد أن يستقل بالسودان عن طريق فرمان من الباب العالي التركي. واستبدل الحكمدار بالمنظم بعد وفاة أحمد باشا أبو ودان المثيرة للجدل. إلى أن أعاد الحكمدارية للسودان بسبب ضعف المنظم الذي عينه.


الخديوي عباس (48-1854)

اهتم عباس الذي خلف محمد علي باشا، اهتم بالنواحي الإدارية كثيراً وحاول معالجة الرشاوى وأعاد تقسيم المديريات وأدخل الطب الغربي إلى السودان لمعالجة الجنود والموظفين المصريين والأتراك، كما فتحت أول مدرسة لأبناء الموظفين في الخرطوم سنة 1853 على يد رفاعة بك الطهطاوي. وفد نشطت التجارة الأوروبية في السودان في عهده وساعد هو في ذلك بتخفيف القيود المفروضة وكان الكثير منهم يتاجر في الرقيق كما أن القناصل كانوا يتاجرون في العاج فكانوا يبيعون العمال مع العاج فور وصولهم للجهة المستوردة. أيضاً بدأت الحملات التبشيرية ل المسيحية في عهده سنة 1848 كما أرسل الكثير من الموظفين والمحاسبين الأقباط (كما فعل محمد علي باشا من قبل).


الخديوي سعيد (54-1863)

اهتم سعيد برفاهية وترقية الشعب السوداني كما حارب تجارة الرقيق وحاول تحسين النظام الإداري في السودان كما عمد إلى إشراك السودانيين في الحكم وأنشأ الحكومات المحلية وجعل الإدارة غير مركزية لتيسير عمل المديريات وسرعة تنفيذ مشاريعها، فألغى الحكمدارية مرة أخرى (مع الفرق الشاسع في السبب).. كما عزز مكانة مشايخ القبائل وجعلهم ينوبون عن المديرين في جمع الضرائب التي خففها عنهم بعد زيارته للسودان ومقابلته للمواطنين الذين شكوا له ثقل الضرائب على عواتقهم، فتقابل جشع المديرين(الذين اعتبروا السودان منفى لجمع الثروة) مع وطنية المشايخ مما أدى إلى إخفاق النظام اللامركزي الديموقراطي الذي أعطى السودانيين بعض الحق في إدارة وطنهم، فشاهد سعيد هذا الفشل الذي حاق بنظامه الإنساني الديموقراطي قبل وفاته فأعاد الحكمدارية للسودان. وفي سنة 1857 عُين أراكيل بك مديراًً للخرطوم فثار السودانيون على تعيين مدير مسيحي عليهم وطالبوا باستبداله إلى أن أرسل المدير عدد منهم لسجنهم في مصر إلا أنهم أعيدوا إلى بلدانهم.


إسماعيل باشا الثاني (1863 - 1879)

عمد إسماعيل إلى تغيير النظام الإداري كلياً نظراً لكثرة الأخطاء والمساوئ، واهتم بإدخال التعليم فأنشأ العديد من المدارس الابتدائية في المدن الكبرى كالخرطوم ودنقلا ،الأبيّض، بربر وكسلا وكانت مفتوحة للسودانيين الراغبين في ذلك بالإضافة لأبناء الموظفين المصريين (هذا إلى جانب الخلاوي التي انتشرت في مختلف بقاع السودان والتي تتفاوت في أهميتها حسب شهرة المشايخ والفقهاء وكان إسماعيل باشا يساعد هذه الكتاتيب بدفع مرتبات شهرية للشيوخ)، اهتم الباشا إسماعيل أيضاً بقطاعي الزراعة والمواصلات (من سكك حديدية، مواصلات نهرية، تلغرافات). كما أراد التوسع جنوبا وغرباً وشرقاً فاتفق مع الرحالة الإنجليزي صمويل بيكر على أن يخضع له حوض ومنابع النيل مقابل مرتب سنوي كبير، وكانت تلك بداية دخول الإنجليز إلى السودان الذين كثر عددهم كمسؤولين وموظفين. نجح صمويل في إخضاع مساحة شاسعة من الجنوب تحت حكم الخديوي بعد معارك ضارية مع القبائل في تلك المناطق. إلى أن ترك صمويل البلاد مخلفاً حقد المواطنين بسبب وحشية تعامله، فخلفه الضابط الإنجليزي تشارلز جورج غردون، نجح غردون في مهمته أكثر مما فعل صمويل بيكر لأنه كسب ود العديد من القبائل وحارب تجار الرقيق، إلى أن قام رجل مغامر من أبناء الجيلي وهي منطقة تابعة لنفوذ الجعليين في ذلك الوقت، وهو الزبير باشا رحمه برحلة إلى الغرب، فاختلط مع التجار ودخل معهم واستطاع أن يجمع ثروة بسبب ذكاءه وكون جيشه الخاص إلا أن استولى على منطقة بحر الغزال وكوّن أول ولاية إسلامية هناك وأسقط سلطنة الفور 1874 التي استمر حكمها ما يقارب ثلاثة قرون، أسقطها بمساعدة الحكومة المصرية التي تولت فيما بعد حكم هذه المناطق. تخلى غردون عن منصبه كحاكم على مديرية الاستوائية وعاد إلى بلده فاتصل به الخديوي مرة أخرى واقترح عليه أن يكون حكمدار السودان مضافة إليه الأراضي الجديدة بعد التوسع في الحكم فوافق على ذلك في 1877. عمل غردون على إيجاد طريقة فعالة لمحاربة الفساد في الحكومة ومحاربة تجارة الرقيق، إلا أنه واجه العديد من الثورات منها تلك التي أقامها الزبير باشا لأنه فتح المنطقة الغربية من ماله الخاص ولم تعوضه الحكومة المصرية عن ذلك، بدأ بتأليب الفور عليهم ليحاولوا إعادة سلطنتهم فخرج السلطان هارون بجيش في أوائل 1879 من جبل مرة فتواجهوا مع قوات لحكومة وقُتل السلطان وهزم جيشه وبذلك أخمدت تلك الثورة. اضطربت أفكار غردون بعد أن أصبح حكمدار السودان وكانت تجارة الرقيق ومحاربتها هي شغله الشاغل فأراد أن يقضي عليها في أقصر وقت ممكن لكن الرقيق في البيوت السودانية لم يرغبوا في ترك أسيادهم فاتفق غردون مع الملاك على أن يسمح لهم بتملكهم مدة 12 سنة وأن يكون للحكومة الحق في التدخل في شؤونهم إن دعت الحاجة وأعطى كل منهم مستندات تفيد ذلك وسجل أسماء وأوصاف الرقيق لضمان عدم التلاعب في القرار. اضطربت بقية الأحوال في عهده وارتفعت الضرائب وساءت الإدارة.


الثورة المهدية وحروب الاستقلال

ولد السيد محمد احمد بن عبد الله المهدى في لبب إحدى الجزر المجاورة لدنقلا في 1844، كان شغوفاً بالعلم الشرعي منذ صغره، رغم أن والده وإخوانه اشتغلوا ببناء المراكب، فالتحق بعدة خلاوي بدأها بكرري ثم الخرطوم ومن ثم عاد إلى الشمالية، وضع محمد أحمد رغم حداثت سنه أسسا للحياة وكان يحاسب نفسه في كل صغيرة وكبير فنشأ هكذا حتى إذا ما بلغ شبابه تاقت نفسه إلى التصوف، فالتحق بأحد شيوخ الطريقة السمانية (محمد شريف نور الدائم) في 1861، وعمل على الالتزام بنهج المصطفى في كل صغيرة وكبير فكان يحمل الحطب لأصحابه كما عاونهم في حمل اللبنات عند البناء وكان كثير التهجد والبكاء حتى عجب منه شيخه وزملائه، وامتلأ قلبه إيماناً وورعا ونسكاً فرضي عنه شيخه فمنحه الأستاذية بعد 7 أعوام من الدراسة، بعد ذلك انتقل محمد أحمد إلى الجزيرة أبا فوجد فيها غاراً فالتجأ إليه وأخذ يتعبد الله في هذا الغار وبعد أن أخذ نصيبه من الخلوة والخلود لذكر الله جعل وقته للتعليم فاشتهرت مدرسة ذلك الشاب الورع وحمل الناس إليه الهدايا لينفقها على تلامذته وتبركوا بزيارته وسكنت نفوسهم برؤيته لصلاحه وتقواه. لم تنقطع صلات محمد أحمد بشيخه محمد شريف فكان يزوره كلما سنحت الفرصة وفي إحدى زياراته رآه يسمح للنساء بتقبيل يده فهاله الأمر وأفصح عما في ضميره طالبا منه الاعتراض على تلك العادة، ثم ما لبث أن رأى أستاذه يسمح بالطبل والغناء في احتفال لختان أنجاله، فاعترض عليه فتسبب في حرج لأستاذه فاستشاط الشيخ غضباً على تلميذه، ولم تفلح محاولات محمد أحمد في الاعتذار وطلب العفو.
علم محمد أحمد أن طريقه إلى إعادة الإسلام إلى سيرته الأولى يتطلب منه أن يحتل مركزاً دينياً مرموقاً فذهب للشيخ القرشي خليفة الطريقة السمانية في ذلك الوقت وجدد البيعة ومن ثم اتجه إلى الغرب يزور رجال الدين هناك وكان الناس يلقونه بالحفاوة فقد عرفوا فيه التقوى والورع. ما لبث الشيخ القرشي قليلا حتى مات فاشترك تلاميذه في دفنه وأقاموا عليه قبة كما جرت العادة في البلاد عندما يموت مشايخ الصوفية، وهناك أثناء الدفن التقى برجل يدعى عبد الله التعايشي، كان عبد الله مأخوذا بشخصية محمد أحمد وعلمه وكان هو الآخر مأخوذا بذكاء عبد الله رغم قلة علمه، أصبح الاثنان صديقان وأخذه محمد أحمد معه إلى جزيرة أبا وهناك أسر الشيخ إلى تلميذه وصديقه أنه أصبح يرى الرسول وهو يقظان وأنه أخبره أنه المهدي المنتظر كان ذلك في مارس 1881 ما يوافق ربيع الثاني 1298 هـ وكانت نهاية القرن 13 الهجري، كما فعل النبي أخبر المهدي أصحابه وخاصته وأهل بيته وأسر أيضاً إلى خاصة تلاميذه وبايعه تلاميذه على نصرة المهدية ومنذ ذلك الوقت سمي كل من ناصره بالأنصار كما سمى النبي أهل يثرب عندما بايعوه.
رأى المهدي (جرت العادة أن يسمى محمد أحمد بالمهدي بغض النظر عن الإيمان بكونه المهدي المنتظر أم لا) أن يجدد زيارته لكردفان وكان يرى فيها خير مكان لنشاط ثورته وهناك أسر لرجال الدين بأمره بدأ المهدي بالجهر لدعوته بعد عدة أشهر وكان يأمر بالجهاد واتباع سنة المصطفى r فكتب إلى كل الفقهاء وزعماء القبائل كما كتب للحكمدار في الخرطوم ونصحه أن يبايع، أرسل الحكمدار أحد معاونيه للمهدي ليتبين الأمر لكن جهوده لم تفلح في أن يوقف الرجل عما بدأه، فهدده بقوة الحكومة لكنه لم يرضخ.


واقعة الشلالي مايو 1882:-

أرسل الحكمدار 6100 جندي بقيادة يوسف باشا الشلالي وانضمت إليه كتائب من الأبيّض، أرسل المهدي إليهم 2 من أتباعه إلا أن الشلالي أمر بتقطيعهم حتى الموت، وعندما وصل الشلالي إلى قدير المنطقة التي يقيم فيها المهدي بدأت المعركة في الصبح الباكر والتحم الجيشان ولم تنتهي المعركة إلا بانتهاء جيش الحكومة، وكان هذا هو النصر الثالث للمهدي وحصل في هذه المعركة على الكثير من العتاد والأسلحة النارية بسبب كثرة الجيش. زاد عدد الثوار على الحكومة بسبب البطش والضرائب فانضموا بدورهم لحركة المهدي وبدءوا يتذكرون ما فعل الدفتردار.
المجزرة الإنكليزية في السودان سنة ١٨٩٨ بدأ البريطانيون قصف أم درمان يوم ٢ سبتمبر ١٨٩٨، واستهدفوا قبر المهدي، مستخدمين الزوارق الحربية والمدافع رشاشة وكان ذلك مجزرة ذهب ضحيتها ١١٬٠٠٠ قتلوا وأصيب ١٦٬٠٠٠ من السودانين في ست ساعات من الاعتداء البريطاني.


اّثار السودان

السودان من أقدم البلاد التي سكنها البشر بحسب الحفريات التي وجدت في بعض أجزائه مؤخرا.. وبالرغم من أنه بلد قديم أيضا في اكتشاف الكتابة –فقد كتب بالهيروغليفية المصرية في أزمان سحيقة بل هنالك رأي يقول أن الهيروغليفية نفسها بدأت فيه ثم اتجهت شمالا- كما كانت اللغة المروية أول لغة صوتية في إفريقيا (ذلك أن الهيروغليفية لغة معنى بترميز المعاني لا أصوات الكلمات كما هي اللغات الأبجدية المختلفة) إلا أن السودان أصابه انقطاع حضاري فيما يتعلق بالتدوين جعل الكتابات عن تاريخه في الغالب مأخوذة عن المؤرخين الإغريق من جهة والعرب المسلمين من جهة أخرى.. تلك الكتابات لا تغطي كافة حلقات السودان التاريخية، ولا تشمل كافة بقاع السودان الحالية.. وللوصول لخارطة تاريخية متصلة ومكتملة للأراضي السودانية لا محيص من عمل خطة بحثية ورصدية وتحليلية شاملة تستند على الآتي:
مسوحات شاملة للآثار في كافة بقاع السودان.
مسح للتاريخ الشفاهي لكافة قبائل السودان وجماعاته. وللأدب الشفاهي والمرويات والقصص عموما.
رصد كافة الكتابات حول السودان في المصادر الإغريقية القديمة والعربية والإسلامية. علاوة على كافة كتابات الرحالة الأجانب في العهود الحديثة.
رصد كافة التقارير والبحوث التي صاحبت حملة إنقاذ آثار النوبة الأولى إبان تعلية خزان أسوان.
الحصول على تقارير مفصلة للمسوحات التي صاحبت حملة إنقاذ آثار النوبة الثانية التي صاحبت قيام السد العالي والتي لم يفرج عنها بعد.
الاستعداد لمسح آثاري ضخم لإنقاذ الآثار التي ستغرق جراء خزان الحمداب (مروي).
العمل على ترجمة كافة تلك الكتابات للعربية (أو للعربية) وإتاحتها للباحثين السودانيين.
رصد كافة كتابات السودانيين حول تاريخ السودان أو جزء منه.
الاتفاق على منهج يوفق بين حقائق الوثائق، والآثار، والشفاهيات بشكل يجعل عملية إعادة بناء خارطة تاريخ السودان ممكنة.


البحث الآثاري في السودان

البدايات: المرحلة الأولى
إن البحث الآثاري في السودان كان في مرحلته الأولى مربوطا بحركة الرحالة الأجانب للسودان بدءا بنهاية القرن السابع عشر. ولكن الرحالة الأوائل لم يهتموا كثيرا بالآثار السودانية القديمة، ولعل أول الرحالة الذين اهتموا بوصف آثار النوبة في السودان كان بوركهاردت ووادنجتون وهانبري في أوائل القرن التاسع عشر. ولكن أهم الأعمال التنقيبية والتوثيقية للآثار في النوبة كانت في وصف الرحالتين الفرنسيين فريدريك كايو ولينان دي بلفوند الذين اخترقا البلاد جنوبا إلى أبعد ما وصل إليه سابقيهما. كان كايو الأول من بين الرحالة الأوربيين الذي زار أطلال مروي (البجراوية) والنقعة والمصورات الصفراء ووصفها، وحدد مواقع العديد من المعابد وتوصل من خلال دراسة النقوش إلى أن كوش حكمت فيها ملكات، وهو ما لم يكن عادة متبعة في مصر. ([أركماني]: كاتسلنسون: ص 3) وقد نشر كايو 4 مجلدات تحوي لوحات عن آثار النوبة المختلفة (الأول صدر عام 23، وفي الفترة 1826-1827 أصدر المجلدات الثلاثة الأخرى وهي تحوي كمية هائلة من لوحات الآثار). أما لينان دي بلفوند (زار السودان في الفترة 1821- 1822) فللأسف إن الملاحظات التي وضعها في شكل دفتر يوميات والرسومات الرائعة ظلت على مدى قرن بأكمله صعبة المنال حتى تم نشرها مؤخرا.. وقد كان نسخه لنقوش المعابد في المصورات الصفراء والنقعة جيدا. في تلك الفترة ارتبط التوثيق للآثار والبحث عنها بالرحالة الرسامين. ففي عام 1833 زار المنطقة د. هوسكنس وكتب كتابا ثبت فيه العديد من الخرائط والرسومات لجزيرة مروي وأرقو وتمبس وصلب وسمنة وكرمة، وكان كتابه يحوي معلومات في مجال الإثنوغرافيا أكثر منه في مجال الآثار والتاريخ (كاتسلنسون ص 4). ختام المرحلة الأولى من الاستكشاف الآثاري للسودان توجهت عبر بعثة لبسيوس الشهيرة المكونة من عدد من العلماء والفنانون لرسم الآثار وتوثيق النقوشات عليها(1842- 1845م)، وخرجت بأطلس مؤلف من 12 مجلدا نفذت بدقة. حيث سار طريق البعثة عبر كورسكو إلى مروي، ثم عملوا في النقعة والمصورات الصفراء، وزاروا سوبا وسنار وفي طريق العودة جبل البركل وأرقو وتمبس وسيسبي وصلب وصادنقا وجزيرة صاي وسمنة ومعابد النوبة السفلى، وقد حمل لبسيوس النصوص التي جمعها والرسوم والنقوش إلى ألمانياشكلت تلك الأعمال الريادة في استكشاف الآثار السودانية.


المرحلة الثانية: إنقاذ الآثار من تعلية خزان أسوان
فقط عندما اتخذ القرار بتعلية خزان أسوان إلى سبعة أمتار أخرى، وهو ما كان يعنى إغراق وادي النيل حتى كورسكو، بدأت مصلحة الآثار المصرية، التي كان يترأسها حينها ج.ماسبيرو، في إجراء المسح المنتظم للنوبة الشمالية. بدأت أعمال التشييد في عام.1907 في عامي 1904-1905 أجرى ماسبيرو رحلتين تخصصيتين للتعرف على الآثار في المنطقة المهددة بالغرق.في الرحلة الأولى وصل حتى أبو سمبل، وفي الثانية حتى المحرقة.رافقه أ.فايجل الذي عُين مفتشاً أولاً لمصلحة الآثار المصرية. وفي عام 1906 كلف فايجل بعمل مسح شامل للمنطقة المهددة وقدم تقريرا، وفي السنوات اللاحقة واصل د. ريزنر عمله ثم مساعده فيرث. حيث تم الكشف عن الكثير من الآثار في المنطقة المهددة بالغرق. وفي حين كان ريزنر وفيرث يقومان بحفر ودراسة المواقع الأثرية، عملت مجموعة من العلماء برئاسة ج. ماسبيرو في دراسة وترميم ووصف معابد النوبة الشمالية العديدة الواقعة بين أسوان وأبى سمبل. نتيجة هذا الجهد المشترك على مدى ثلاثين عاماً (1909-1938) ظهرت سلسلة من خمسة عشر مجلداً"معابد النوبة الغارقة "والتي تحوى مادة هائلة ذات طبيعة متنوعة لا زالت لم تستخدم كلياً حتى اليوم. تحتوى النقوش والرسوم التي غطت جدران النخس والصالات والمقابس على معلومات تاريخية لا حصر لها. إنه بفضل النقوش في معبد دكة نعرف أن أركامانى كان معاصراً لبطليموس الرابع، لا بطليموس الثاني، كما ساد الاعتقاد في السابق على أساس كلمات ديودور. تلك العمليات جرت في النوبة الشمالية عمليات نشطة مسابقة لارتفاع المياه وإغراقها للأرض. ولكن ظل الوضع إلى الجنوب من الجندل الثاني كما هو عليه تقريبا.
بعثة جامعة هارفارد- بوسطن 1905بقيادة د.جورج رايزنر. بدأ تنفيذ هذا العمل تحت رعاية بعثة هارفارد-بوسطن, في عام 1905 واستمر حتى وفاة رايزنر في عام 1942. ونشرت نتائج التنقيبات عن طريق متحف بوسطن للفنون الجميلة بإشراف دوز دنهام Dows Dunham في الفترة بين 1950 و1982.
بعثة جامعة أوكسفورد: (1910-1913م): برئاسة جريفث- في منطقة فرس وعاصمة كوش القديمة "نبتة". أعطت أعمال الحفر في فرس، إلى جانب آثار العصر المسيحي مدافن خاصة بالمجموعة الثالثة، وتحصينات يرجع تاريخها للمملكة الوسطى بالإضافة إلى سلسلة من آثار المملكة الحديثة، التي تميز مرحلة السيادة المصرية على كوش.
العلماء الألمان في النوبة الشمالية: (1910- 1912م) أكاديمية العلوم النمساوية التي ترأسها ج. يونكر. في السنة نفسها التي أنهى فيها يونكر أبحاثه في النوبة الشمالية بدأ العلماء الألمان بقيادة ج. شتايندورف عملهم في عنيبة (ميام في المصرية القديمة) إلى الجنوب من توشكه. انقطعت أعمال هذه البعثة نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى، لتباشر عملها مجدداً فقط في موسم 1930/1931 تم نشر التقرير التفصيلي في الأعوام 1935- 1937.


البحث الآثارى إلى الجنوب من الشلال الثالث
في الأعوام 1911- 1914 أجرت البعثة الممولة من قبل السير ولكام حفرياتها في الجزء الجنوبي من الجزيرة، في جبل مويَّة (بين النيلين الأزرق والأبيض على بعد ثلاثين كيلومتر إلى الغرب من سنار القديمة). وبنهاية عمل هذه البعثة جرت دراسة موقع إقامة آخر في أبى قيلى والجبانة التابعة له والذي يرجع تاريخه للعصر المروى المتأخر. ويقع الموقع في الضفة الشرقية للنيل على مبعدة 4-3 كيلومتر إلى الجنوب من سنار. عند بدء أعمال التشييد مجدداً في خزان سنار في عام 1921 التي كانت قد انقطعت نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى، تم الكشف في الضفة الشرقية للنيل الأزرق عن جبانة من العصر المروى. للأسف فإن مصلحة الآثار السودانية لم تعلم بذلك إلا بعد انقضاء عامين أو ثلاثة, عندما بدأت بعض المواد من المقابر المنبوشة في الظهور في متحف الخرطوم. بعض المكتشفات تفرقت في الأيدي، وبعضها فقد في سفينة غارقة في الطريق إلى إنجلترا. يقع الموقع على مبعدة من قرية الني. عندما زاره أديسون كانت أغلبية المقابر قد نبشت، ولم يتم النجاح لا في تحديد مركب المقابر ولا الأحجام الفعلية لحفرة الدفن والتي غالباً ما كانت بيضاوية واستخدمت لدفن أكثر من جثمان. من بين المواد التي وصلت إلى متحف الخرطوم كانت هناك أواني من البرونز تظهر مؤثرات إغريقية، وفخار ومصنوعات من المرمر وأدوات للزينة. الكثير منها يظهر تماثلاً مع مواد تمَّ العثور عليها في النوبة الشمالية. العديد من الأوانى تتماثل مع أواني ترجع إلى جبل مويَّة. تلت ذلك أعمال استكشافية في كرمة، البركل، الكرو، نوري، سمنة، اورونارتي، الكوة وفي وسط السودان في الخرطوم حيث كشف عن أعمال مروية وربما نبتية، والشهيناب، والتقاوي، والجريف، وفي القطينة.. أعمال أظهرت آثارا متفرقة تعود لعهود تاريخية مختلفة لا زالت تنتظر المزيد من إلقاء الضوء عليها. حملة إنقاذ آثار النوبة الشمالية: 1955- استباقا لمشروع (السد العالي) بدأت مرحلة جديدة للبحث الآثاري في النوبة الشمالية والذي سيؤدي إلى اغلااق منطقة تمتد 500 كيلومتر من الشلال الأول حتى كوش مما تطلب أعمال إنقاذ هائلة للآثار ودراستها. فعملت ولأكثر من عشر سنوات العديد من البعثات من أقطار مختلفة تحت إشراف منظمة اليونسكو في المنطقة المهددة بالغرق، ونتائج الحفريات لا زالت تنشر في تقارير موجزة.. وبالتالي فإن البينات المتحصل عليها والمواد غير متوفرة فعليا للاستخدام العلمي حتى الآن. فقد عملت في السودان أعمال تنقيبية من حدود البلاد مع مصر في فرس حتى كوشا لحوالي مئتي كيلومتر وقدر أن فيها حوالي 75 موقعا اثريا ستغرق في بحيرة ناصر. بينما قدر فيرتكويه مدير مصلحة الآثار السودانية آنذاك الذي قدر تلك المواقع ب300 موقعا محتاج للدراسة والإنقاذ. كشفت البعثة البولندية العاملة في فرس والمنطقة المجاورة عن آثار العصر المسيحي الشهيرة (الكنائس- اللوحات الجدارية- مدافن الأساقفة..الخ) كما عثر على آثار نبتية ومروية في ذات المنطقة. وفي عكشة عملت بعثة مشتركة من العلماء الفرنسيين والأرجنتينيين في موسم 61/1962م. ووجدت آثار في سرة القريبة من عكشة، وفي أرقين جنوبا. وفي موسم الحفريات لاتالي نقبت البعثة الإسبانية بشكل أشمل في أرقين، وفي دبروسا، وجزيرة ميلي، وجزيرة ماتوكا، وبوهين،، وسمنة، وصاي تم كشف العديد من المنازل والمعابد والقلاع والجبانات. وفي موسم 63/1964 كشفت البعثة الإيطالية عن جبانة مروية ضخمة، كما نقبت في معبد امنحت بالثالث وعثرت على مخربشات مروية.
معهد الدراسات المصرية- جامعة همبولدت- ألمانيا الشرقية (سابقا): قامت بعثة ذلك المعهد بقيادة هنتزا بأعمال تنقيب لا زالت مستمرة حيث قامت البعثة باستكشافات ناجحة كما قاموا بالترميم الكامل لمعبد الأسد الذي يناه الملك أركماني في المصورات الصفراء. كما كشفوا عن الكثير من النقوش والمخربشات عن أعمال نحت وآثار معمارية.
بعثة جامعة غانا: 1965م
حفريات هامة من حيث نتائجها في جزيرة مروى أجريت في 1958-1960 في ودبانقا من قبل مصلحة الآثار السودانية برئاسة فيركوتيه. في عام 1957 تم العثور على بعد 10 كيلومترات شمال شرق الخرطوم على ابى هول يحمل اسم أسبالتا. أشارت الحفريات التي أجريت في العام التالي إلى أن المبنى الضخم الذي شيد في العصر المسيحي، ولم يبق منه ش التي أجريت خلال هذه السنوات. حينها فقط يسلط الضوء على ما خفي عنا من تاريخ السودان.


الآثار في جنوب السودان

المعرفة الاثارية في السودان غير متساوية البتة وبعض المناطق غير مكتشفة بصورة شاملة. في جنوب السودان وجدت بداية متواضعة للتنقيب الاثاري في أعمال المعهد البرطاني لشرق أفريقيا في سبعينيات القرن العشرين. حيث بدأت مشروعا بحثيا في منطقة بحر الغزال والاستوائية. وتوجد في المنطقة فرصة مناسبة للبحوث المتداخلة خاصة بين الآثار والإثنوغرافيا، بعد الفراغ من مهمة تعزيز السلام.


مشروع النيل الأزرق: السودان وإثيوبيا

عملت في هذا المشروع البعثة الإسبانية وقد مولتها عدة جهات: مؤسسة في الفترة 1989- 2001م (Duran-Vall Llosera (1989), the Universidad Complutense (1990, 2001), the DGICYT of the Ministry of Education and Culture (Project PS89-084, 1991-1993, Project PS95-142, 1997-2000), and the Dirección General de Bellas Artes of the Ministry of Education and Culture (Instituto del Patrimonio Histórico Español, 1994-2001).) وقامت بعمليات استكشفاية آثارية في السودان (منطقة النيل الأزرق) في الفترة ما بين 1989 وحتى 2000م، بينما بدأت العمل في إثيوبيا منذ العام 2000م وحتى الآن. فقامت بالكشف في السودان عن كشف 48 موقعا أثريا جديدا، كما تمت إعادة بحث 5 مواقع اكتشفت في الخمسينيات للقرن العشرين. عبر المادة المودعة عنها في التحف القومي. ولعل أهم فتح للدراسات الاثارية السودانية هو أن ينشأ كرسي السودانويات Sudanology في الجامعات العالمية، بعد أن كانت تبحث في الماضي من خلال المصريات.


المؤسسات الحكومية البحثية والتعليمية الخاصة بالآثار في السودان
الهيئة القومية للآثار والمتاحف تأسست عام 1902م، تتبع لها المتاحف التالية:
متحف السودان القومي.
متحف بيت الخليفة.
متحف شيكان- الأبيض.
متحف علي دينار- الفاشر.
معهد حضارة السودان تأسس عام 1999م تابع لرئاسة الجمهورية مديره د. جعفر ميرغني، وقد أقيم في نفس موقع متحف الإثنوغرافيا، وصار المتحف جزءا من المعهد.


المؤسسات التعليمية

قسم الآثار –كلية الآداب جامعة الخرطوم
قسم الآثار – الآداب جامعة دنقلا
قسم الآثار- كلية الآداب جامعة جوبا.
معهد أبحاث الآثار جامعة وادي النيل
قسم الآثار- جامعة شندي


الجهات المهتمة بالآثار السودانية في العالم

البعثات التنقيبية العاملة:
الوحدة الفرنسية- مقرها الهيئة القومية للآثار والمتاحف- تابعة للهيئة ** القومية للآثار والمتاحف.
البعثة الفرنسية.
البعثة الألمانية "تعمل في النقعة والجيلي".
البعثة الإيطالية.
البعثة الكندية.
البعثة البولندية.
البعثة الإنجليزية.
البعثة الإسبانية: تعمل في النيل الأزرق، انتهت من العمل في الجزء السوداني وهي الآن تعمل في الجزء الأثيوبي.


الآثار السودانية المنهوبة والمقتسمة
لقد تم نهب الآثار في بلدان عالم الجنوب في فترة الاستعمار من قبل بعثات رسمية أرسلتها الدول أو المتاحف في الدول الأوربية التي كانت تسعى لامتلاك ذاكرة الدنيا، كما تم ذلك بأيدي أفراد جشعين للكسب المادي حيث يقومون ببيع تلك التحف للمتاحف العالمية وللأفراد المهتمين بجمع التحف في العالم. من قراصنة الآثار السودانية المشهورين الطبيب العامل في الإدارة الإيطالية د. فرليني الذي وصل للإهرامات الملكية في مروي متعاملا مع الآثار كلص. "واحد من الأهرام والذي كان الفضل من حيث محافظته على شكله تعرض بمعنى الكلمة للهدم من قبل فرليني الذي توجت أعماله التدميرية بالكشف عن الكثير من التحف الفنية الذهبية والفضية والمعادن الأخرى، جزء منها وصل لاحقا إلى ميونيخ وآخر إلى برلين".. وقد قام بنهب المدفن الوحيد الباقي حتى تلك الفترة لملكة مروية، وكان قد قام قبل ذلك هو ورفيقه ستيفاني بتدمير أربعة أهرامات أخرى. يقول كاتسنلسون "ولحسن حظ البحث العلمي لم يحاول أحد بعدهما "التنقيب الاثاري"في السودان حتى نهاية القرن التاسع عشر". (ص5). وقد ذكرنا من قبل خبر الجبانة المنهوبة في النيل الأزرق والتي غرق جزء كبير من منهوباتها في سفينة متجهة لإنجلترا.. وكثير من تلك المنهوبات وجدت طريقها إلى أوروبا وأمريكا وهي الآن في متاحف عالم الشمال.. كذلك، كان التنقيب في بدايته، كما هو الحال اليوم، يقسم المواد المكتشفة في السودان بين المؤسسة المنقبة ومصلحة الآثار السودانية، ولذلك توجد العديد من الآثار السودانية في كافة بقاع لدنيا إذا لاحظنا تعدد البعثات المنقبة في السودان وجنسياتها.
كثير من الأواني والزينة والمنقوشات الأثرية السودانية موجودة الآن في متاحف عالمية مثلا:
متحف بوسطن. كانت هنالك بعثة تنقيب من جامعة هارفارد اقتسمت مكتشفاتها مناصفة مع مصلحة الآثار السودانية، وهي الآن بمتحف بوسطن حيث توجد العديد من المصنوعات التي يرجع تاريخها للعصر المروى من المصادر في إطار الإمبراطورية الرومانية موجودة حالياً في مخزن متحف بوسطن للفنون الجميلة أو في صالة العرض والتي يمكن مقارنتها مع المواد التي تجرى دراستها كجزء من مشروع المصنوعات الرومانية في متحف السودان القومي.
متحف وارسو والذي يحتوي على العديد من لوحات كنيسة فرس.
المتحف الآثاري البولندي: ويحوي مجموعات آثارية سودانية راجعة لأعمال بعثات تنقيبية بولندية تابعة لكل من: الكدرو (أدوات زينة وأواني)- النقعة (تماثيل ورسومات).


مشاكل العمل الاثاري في السودان
مناطق مهملة: إن الجنوب الكوشي، بما في ذلك "جزيرة مروى "يكاد يكون غير مدروس من الناحية الآثارية، وأجريت الدراسات المنتظمة فقط في بعض الأماكن المتفرقة، من بينها العاصمة. من هنا أهمية الأعمال التي أجريت في جبل مويَّة، وهو الأبعد من بين المواقع فيما يبدو إلى الجنوب. إلا أن ما تم إخضاعه للحفر لا يتعدى 20 % من مساحة الموقع. الإقامة هنا تم تأسيسها في حوالي القرن العاشر ق.م. وامتدت إلى ستمائة عام تقريباً. يرجع تاريخ ازدهاره إلى القرن السابع ق.م.، وبداية انهياره إلى منتصف القرن السادس ق.م. وكلما اتجهنا جنوبا وغربا قلت الأعمال الاستكشافية
الآثار السودانية المنهوبة أو المقتسمة في العالم وقد تمت الإشارة لها أعلاه.
المادة الاثارية الموجودة بلغات أجنبية غير متاحة للباحث السوداني العادي: مثلا باللغة الفرنسية أو الألمانية. وهذه ضخمة جدا خاصة إذا لاحظنا حجم العمل الآثاري بتلك اللغات.
المادة الآثارية المجموعة في حملة الإنقاذ للسد العالي والتي لم تنشر بعد
سد مروي.. والإجراءات العاجلة.
عدم الاهتمام الكافي على مستوى الدولة- الإعلام أو المواطن العادي بأهمية الآثار. غالب العمل الاثاري يقوم بجهود يدفعها التمويل والبحث الخارجي.
التمويل.. ويمكن حله عبر المنظمات العالمية المهتمة.

0 comments:

إرسال تعليق

.