بحث عن علم الحيل الهندسية

بسم الله الرحمن الرحيم
سأقدم الان بحث عن علم الحيل الهندسية واليكم التفاصيل


قصة لها دلالتها:
في القرن التاسع الميلادي (حوالي سنة 807 م) أرسل الخليفة العباسي هارون الرشيد ،هدية عجيبة إلى صديقه، شارلمان ملك الفرنجة "وكانت الهدية عبارة عن ساعة ضخمة بارتفاع (1) حائط الغرفة تتحرك بواسطة قوة مائية وعند تمام كل ساعة يسقط منها عدد معين من الكرات المعدنيه بعضها في أثر بعض بعدد الساعات فوق قاعدة نحاسية ضخمة،فيسمع لها رنين موسيقى يسمع دويه في أنحاء القصر..
وفي نفس الوقت يفتح باب من الأبواب الاثني عشر المؤدية إلى داخل الساعة ويخرج منها فارس يدورحول الساعة ئم يعود إلى حيث خرج، فإذا حانت الساعة الثانية عشرة يخرج من الأبواب اثنا عشر فارسا مرة واحدة، ويدورون دورة كاملة ثم يعودون فيدخلون من الأبواب فتغلق خلفهم، كان هذا هو الوصف الذي جاء في المراجع الأجنبية والعربية عن تلك الساعة التي كانت تعد وقتئذ أعجوبة الفن، وأثارت دهشة الملك وحاشيته.. ولكن رهبان القصر اعتقدأ أن في داخل الساعة شيطان يحركها.. فتربصوا به ليلا ، واحضروا البلط وانهالوا عليها تحطيما إلا أنهم لم يجدوا بداخلها شيئا"، وتو اصل مراجع التاريخ الرواية.. فتقول : إن العرب قد وصلوا في تطوير هذا النوع من الآلات لقياس الزمن بحيث أنه في عهد الخليفة إلي مون أهدى إلى ملك فرنسا ساعة أكثر تطورا تدار بالقوة الميكانيكية بواسطة أثقال حديدية معلقة في سلاسل وذلك بدلا من القوة إلي ئية.


من هذه القصة نرى مدى تطور المسلمين في علوم الميكانيكا أو ما كانوا يسمونه علم الحيل الهندسية في حين كانت أوربا في عصر الظلمات.

علم الحيل

علم الحيل هو ما كان يعرف عند الإغريق (بالميكانيكا) وهو علم قديم اهتمت به الشعوب السابقة مثل قدماء المصريين والصين والاغريق والرومان ، لكن معظم هذه الشعوب كانت تستعمله للأغراض الدينية في المعابد، أو في ممارسة السحر والتسلية لدى الملوك، فكان الصينيون يستخدمون عرائس متحركة على المسرح الديني لها مفاصل يتحكم فيها الممثل بواسطة خيوط غيرمرئية ، وقد صنع قدماء المصريين في معابدهم تماثيل لها فك متحرك وتخرج صوت صفيرعند هبوب .

الريح. هذا وقد استفاد المصريون القدماء من هذا العلم في بناء معابدهم وتماثيلهم الضخمة أو نقلها،اما الإغريق فكانوا أول من ألف الكتب في هذا العلم ووضعوا له القواعد العلمية، وقد صنعوا الالآت العلمية المتحركة التي تستعمل قوة دفع إلي ء أو الهواء ،من ذلك الآلات الصوتيه المسماه بالارغن الموسيقى ومنها الساعات إلي ئية:

المسلمون وعلم الحيل
بدأ العرب هذا العلم بنقل كتب السابقين من أمثال اقليدس،وأرشميدس،وارستطاليس،وأبلينوس وهيرون الاسكندري، ثم ظهر منهم العلماء والمهندسون المسلمون الذين تخصصوا في هذا المجال وطوروه ووضعوا له قواعد علمية جديدة وابتكروا تطبيقات رائدة للإستفادة منه، ويمكننا أن نلخص هدف المسلمين من هذا العلم في تسميته بأنه علم (الحيل النافعة) وقد ذكروا في مراجعهم أن الغاية منه (هي الحصول على الفعل الكبير من الجهد اليسير).

ومعنى هذا الاصطلاح أن المسلمين أرادوا به منفعة الإنسان واستعمال الحيلة مكان القوة والعقل مكان العضلات والآلة بدل البدن وقد كان لتعاليم الاسلام وتوجيهاته فضل كبير في تطوير هذا العلم عند العرب.-

ـ فقد كانت الشعوب السابقة تعتمد على العبيد وعلى نظام السخره في قضاء أمورهم المعيشية والتي تحتاج إلى مجهود جثماني كبير، فلما جاء الإسلام حرم السخرة وحرم إرهاق الخدم والعبيد وتحميلهم فوق ما يطيقه الانسان العادي، هذا إلى جانب تحريمه المشقة على الحيوان، لذلك اتجه المسلمون إلى تطوير الآلات لتقوم بالأعمال الشاقة.

- وبعد أن كانت غاية السابقين من هذا العلم لا تتعدى استعماله في التأثير الديني والروحي على اتباع مذاهبهم مثل استعمال التماثيل المتحركة أو الناطقة بواسطة الكهان واستعمال الأرغن الموسيقى وغيره من الآلات المصوته في المعابد، فقد جاء الإسلام نهى عن ذلك وجعل الصلة بين العبد وربه بدون وسائل وسيطة أو خداع حسى أو بصرى.

لهذا كله فقد أصبح لعلم الحيل عند المسلمين هدف جديد هو التحايل على ضعف الإنسان، والتيسير عليه باستعمال الآلة المتحركة.
علماء المسلمين وانجازاتهم
من اشهر علماء المسلمين في علم الحيل أولاد موسى بن شاكر وهم محمد (ت 873 م)
و حمد والحسن، وقد ألفوا كتاب "الحيل النافعة" وكتاب القرطسون (وهو ميزان الذهب) وكتاب وصف "الآلة التى تزمر بنفسها صنعة بني موسى بن شاكر" ومن اختراعاتهم التي وصفها المؤرخون (2) بكثير من الإعجاب آلة رصد فلكي ضخمه.. تعمل في مرصدهم وتدار بقوة دفع
مائية وهي تبين كل النجوم في السماء وتعكسها على مرآة كبيرة واذا ظهر نجم رصد في الآلة وإذا اختفى نجم أو شهاب رصد في الحال وسجل ، وقد اخترع أحمد بن موسى قنديلا آليا يشعل الضوء لنفسه وترتفع فيه الفتيلة تلقائيا ويصب الزيت بنفسه ولا يمكن للرياح إطفاءه.

- ومن أساطين هذا العلم في الأندلس عباس بن فرناس (ت 878 م) وهو صاحب. عدد كبير من الإختراعات الميكانيكية.. منها (ا اليقاته). لمعرفة الأوقات ا إهي تسير بقوة دفع مائية. ومنها نموذج القبة السماوية التي توصل فيها إلى محاكاة البرق والرعد ثم صنع أول طائرة ذات جناحين متحركين وطار بها من فوق مئذنة مسجد قرطبة.

- ومن هؤلاء العلماء ابن يونس المصري (ت 1009) ويذكر عنه سارتون في موسوعة (3)" تاريخ العلم أنه أول من اخترع الرقاص واكتشف قوانين ذبذبته وذلك قبل الإيطالي جاليليو (المتوفي سنة 1624 م) بستة قرون.

- ويعتبر العالم المهندس بديع الزمان الجزرى المتوفي سنة 1184 م شيخ علماء المسلمين في علم الحيل ،وقد ألف كتاب "الحيل الجامع بين العلم والعمل " ويسمى في أوربا (الحيل الهندسية) وهو من أدق الكتب وصفا وشرحا وتفصيلا ومحلى بلوحات ملونة فيها وصف لآلاته واختراعاته وما زالت بضع نسخ أصلية من هذا الكتاب موجودة في متاحف أوروبا حيث يعتدون بها كدر أثرية ثمينة، وقد ترجم الكتاب إلى جميع اللغات الأوربية عدة مرات وكان قاعدة لعلم الميكانيكا الحديثة، والجزرى هو أول من اخترع الإنسان الآلي المتحرك للخدمة في المنزل. طلب منه الخليفة أن يصنع آلة تغنيه عن الخدم كلما رغب في الوضوء للصلاة، فصنع له آلة على هيئة غلام منتصب القامة وفي يده إبريق ماء وفي اليد الأخرى منشفة وعلى عمامته يقف طائر فإذا حان وقت الصلاة يصفر الطائر ثم يتقدم الخادم نحو سيده ويصب إلي ء من الإبريق بمقدار معين فإذا انتهى من وضوئه يقدم له المنشفة تم يعود إلى مكانه والعصفور يغرد.

- ومن أكثر الامور التي حظيت باهتمام علماء المسلمين استعمال الروافع لرفع الأثقال الكبيرة بالجهد اليسير، وقد وضعوا لها قواعد وصنعوا أجهزة معقدة لرفع الأثقال الكبيرة أو جرها بالجهد اليسير ،وقد وضع ثابت بن قره (المتوني في القرن التاسع الميلادي) كتابا عن قوانين الروافع ومعادلاتها وحساباتها وقد ترجم في أوروبا باسم Liber Karatonis (4) (أي كتاب ابن قره) وكان لهذا الكتاب فضل كبير في النهضة الصناعية الحديثة.

التطبيقات العملية لعلم الحيل
يتصور بعض الأوربيين أن العرب رغم ولعهم الشديد بالميكانيكا أو علم الحيل فإنهم لم يطبقوه في أمور علميه نافعة كما طبقته أوربا في الإختراعات العصرية الحديثة كالقطار،والسيارة، والطائرة ويتصور بعضهم ان التطبيق السائد عند العرب كان في تسلية الخلفاء وفي بلاط الحكام بصناعة الدمى المتحركة والمصوته، وهذا مخالف للواقع وينم عن قصور في الدراسة والبحث، لأن ما تركه المسلمون والذي لا تزال آثاره موجوده حتى وقتنا الحاضر يعتبر أبلغ شاهد على تطور هذا العلم وتطبيقاته المتعددة... ويعتبر المعمار المجال الواسع لتطبيق علم الميكانيكا في عصور الإسلام المختلفة، فنظرة واحدة إلى آثار العمارة الإسلامية الموجودة حتى عصرنا الحاضر في
شرق العالم وغربه وما فيها من تطبيقات علمية متطورة وما أنجزه علماء المسلمين من القباب وإلي ذن والسدود والقنوات، لقد برع المسلمون في تشييد القباب الضخمة ونجحوا في حساباتها المعقدة التي تقوم على ما يسمى في وقتنا الحاضر بطرق تحليل الإنشاءات القشرية (SHELLS). فهذه الإنشاءات المعقدة والمتطورة من القباب مثل قبة الصخرة في بيت المقدس وقباب مساجد الأستانة والقاهرة والأندلس والتي تختلف اختلافا جذرياً عن القباب الرومانية، كل هذا يدل على تمكنهم من هذا العلم الذي يقوم على الرياضيات المعقدة.

وإنشاء إلي ذن (5) الطويلة والتي يعلو بعضها أكثر من سبعين مترا فوق سطح المسجد،و التي تختلف اختلافا جذريا ومتطورا عن المنارات الرومانية، وإنشاء السدود الضخمة التي أقامها العهد العباسي والفاطمي والأندلسي مثل سد النهروان وسد الرستن وسد الفرات.

ثم وسائل الري والفلاحة التي ابتكرها المسلمون مثل سور صلاح الدين الذي يجلب إلي ء من النيل إلى قمة جبل المقطم ووضعوا في النيل آلة متطورة ترفع إلي ء إلي إرتفاع عشرة أمتار لكي يتدفق من هذا الإرتفاع إلى القلعة مباشرة.

ـ وطواحين إلي ء والهواء، واستعمالها في مصانع الورق ومصانع وما فيها من تروس معشقة وعجلات ضخمة متداخلة..

- وهذا الإستغلال العبقري لنظرية الأنابيب المستطرقة في توصيل المياه في شبكة من المواسير إلى البيوت، أو في بناء النوافير داخل القصور كما في نوافير إلي ء الراقصة في قصر الحمراء، هذا علاوة على استغلالها في تحريك الدمى وا لأ بواب.

- والمدن الاسلامية أول مدن في التاريخ تستعمل شبكات المياه من المواسير المعدنية وذلك قبل أوروبا بعدة قرون ،وما زالت إحدى هذه الشبكات حتى اليوم موجودة في مدينة (عنجر) شرقي لبنان وقد أقامها الأمويون في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان..

- وقد أبدع المسلمون في استغلال علم الحيل في صناعة السلاح. فطوروا المنجنيق والدبابات الخشبية وكانوا أول من صنع المدافع والبندقية (أنظر باب العلوم العسكرية).

وتحدثنا كتب التاريخ عن الكثيرمن الاختراعات العجيبة في قصور الخلفاء وأثرياء المسلمين، فمن ذلك أن أحد الخلفاء كان مصابا بالأرق ،فصنع له العلماء فراشا فوق بحيرة من الزئبق ليساعده على النوم، وجاء في وصف مقصورة جامع مراكش المصنوعة أيام الموحدين أن كانت تتحرك جدرانها ومنبرها فتحرك بمجرد أن تلمس رجل الخليفة الأزرار الموضوعة في المدخل الخاص عند دخوله المقصورة، وكانت هذه المقصورة تدار بحيل هندسية بحيث تنصب إذا إستقر المنصور ووزراؤه بمصلاه وتختفى إذا ذهبوا، وقد تجلت مهارة المسلمين الميكانيكية في صناعة الساعات الكبيرة والصغيرة ويذكر ابن كثير( 6) في البداية والنهايةجـ 9) أن أحد أبواب جامع دمشق كان يسمى باب الساعات "لأنه عمل فيها الساعات التي اخترعها فخر الدين الساعاتي ، وكان يعمل بها كل ساعة تمضي من النهار، عليها عصافير،وحية من نحاس وغراب، فإذا تمت الساعة خرجت الحية فصفرت العصافير وصاح الغراب وسقطت حصاة في الطست فيعلم الناس أنه قد ذهب من النهار ساعة" ويقول ابن جبير(7) في وصف هذه الساعة "أنها كان لها بالليل تدبير آخر إذ تجهز بمصباح يدور به إلي ء خلف زجاجة داخل الجدار، فكلما انقضت ساعة عم الزجاجة ضوء المصباح ولاحت للأبصار دائرة محمرة" وكانت هذه الساعة في غرفة كبيرة وهناك شخص يقيم بداخلها.. مسئول عن صيانتها وإدارتها.. مدرب على أعطالها الميكانيكية،فهي أشبه بمحطة من محطات توليد الطاقة في عصرنا الحاضر.

وفي سنة 758 هـ. صنع المهندس أبو عنان المرينى المغربي ساعة ضخمة من النحاس، وضعت في الساحة العامة بسوق القصر بالمغرب، وكانت في كل ساعة تسقط صنجة كبيرة فوق طاس كبير.. فيحدث لها دوى كبير يسمعه أهل، المدينة.

ويعتبر الجزري ( أول مخترع لمضخة المكبس piston Cylender التي أوردنا تفصيلا لها وفوائدها في الباب الأخير( 9) من هذا الكتاب.

كذلك قدم الجزرى في كتابه خمسة آلات مختلفة لرفع المياه من الأعماق بالجهد اليسير، وكل منها يمثل تطورا جديدا في علم الميكانيكا وكان لها الفضل في ابتكار مضخات سحب البترول من الأعماق وهذا قليل من كثير مما لا يتجمع المقام لشرحه.

العسكرية الإسلامية
قصص لها دلالتها:
في معركة القادسية فوجىء المسلمون في اليوم الأول للمعركة بظهور الفيلة في مقدمة جيش الفرس ،وكانت الفيلة بحجمها وصراخها المرتفع تخيف خيول المسلمين فتتراجع الخيل أمامها، وبسرعة خاطفة تشاور قادة المسلمين، وأعدوا خطة للتغلب على الفيلة، فجاءوا في مقدمة جيشهم بجمال ضخمة وربطوا كل جملين معا وكسوهما بثوب واحد حتى بدت الجمال كأنها وحوش هائلة، وأخذ الرماة على الجمال يصوبون سهامهم الى عيون الفيلة، فأصيبت الفيلة بالذعر فألقت بالجنود من فوقها وعادت وهي تدهس كل من في طريقها من جنود الفرس، وبهذا انقلبت الهزيمة الى نصر.

ومن أشهـر الخطط العسكرية في التاريخ والتي مازالت تدرس حتى اليوم في كليات أركان الحرب، ما فعله محمد الفاتح في فتح (1) القسطنطينية، فقد وصل بسفنه المحملة بالمدافع الضخمة إلى مضيق الدردنيل، فوجد أن البيزنطيين قد سدوا المضيق بمجموعة من السلاسل الضخمة التي تمتد بين الشاطئين تمنع السفن من العبور ولكن هذا لم يفت في عضد هذا القائد العبقري ولم يوقف تقدمه، فقد قرر أن يقوم بأكبر عملية نقل أسطول بحري في التاريخ وقام الجيش كله بسحب السفن على أعمدة خشبية وضعها على البر، والتف من خلف السلاسل ونزل الأسطول في البحر مرة أخرى وفوجىء البيزنطيون بحركة الالتفاف التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ كله، فلأول مره في التاريخ العسكري يجرؤ قائد على نقل سفنه البحرية بما تحمله من مدافع ثقيلة ومؤن وعتاد، ويصعد بها قمة الجبل، ثم يهبط بها الي البحر ليواجه عدوه، وكانت نتيجة المفاجأة ان سقطت المدينة في قبضته بأقل الخسائر..

فهذه القصص تدلنا بوضوح على أن تفوق المسلمين الحربي وانتصاراتهم التاريخية لم تكن نتيجة الحماس والشجاعة وحدهما، ولكن كان هناك تنظيم وترتيب، وكان هناك تخطيط ومكيدة، وكانت هناك خبرة بفنون الحرب0

العسكرية ألاسلامية عقيدة وعلم
العسكرية الاسلامية.. تلك الظاهرة التي ولدت عملاقة، فلم تمر بمراحل التطور الطبيعية، والتي حيرت المحللين العسكريين، وكتاب التاريخ في كشف اسرارها.

لقد كانت شعوب العرب جماعات غير منتظمة ولا مدربة من بدو الصحراء ومع ذلك فقد تفوقوا فجأة على أعتى جيوش العالم في عصرهم،واكثرها تدريبا وأحسنها سلاحا وعددا.

كان تعدادهم لا يزيد عن واحد إلى عشرة من تعداد عدوهم في اكثر المعارك ، وكان سلاحهم بدائيا في صنعه ومعدنه،وكانت ملابسهم مهلهلة ، فهي أقرب إلى ملابس البادية منها إلي عدة الحرب، ومع ذلك فقد هزمو جنود الفرس والرومان الذين كانوا مدججين بأحدث الأسلحة من قمة رأسهم الى أخمص قدميهم، وكانوا متخمين بأطيب الطعام، ويغدق عليهم ملوكهم الأموال بغير حساب، حاربوا جيوش الامبراطوريتين في وقت واحد وهو أمر في لف أبسط القواعد العسكرية، ولم يكتفوا بمواجهتهم في المعارك البرية التي عرفوها بل طاردوهم في البحر الذي
لم يعرفوه ابدا، وانتصروا عليهم في (ذات الصواري) وأسروا أسطولهم البحري الذي، لم يذق طعم الهزيمة قبل ذلك أبدا فتعال ننظر بالتحليل العلمي ما هو سر هذه العسكرية الاسلامية، وكيف انتصر الحفاة العراة الجياع رعاة الشاةعلي أعظم امبرطوريتين في عصرهم في معارك خاطفة وحاسمة، وما هي عوامل النصر.؟

تقوم العسكرية الإسلامية على عنصرين هامين لا يستغنى عن أحدهما على حساب الاخر.. العقيدة والعلم ،فلاريب أن للعقيدة الإسلامية الفضل الأول في التفوق العسكري لدى المسلمين الأولين.. فأهم سلاح للجندي المقاتل هو معنوياته، وكثيرا ما يرى الإنسان رجلا صغير الجسم ضعيف البنية. ولكنه قوي العزم والارادة، فيهزم رجلا أعظم منه بدنا وأكثر وزنا ،وقوة ولكنه، فاقد العزم والارادة، وقد لعبت العقيدة الإسلامية دوراً كبيراً .

الفتوحات الإسلامية الكبرى .
لم تلعبه اي عقيدة قبلها او بعدها، وذلك لأنها العقيدة الوحيدة التي تربط بين الدين والدنيا، وتجعل للمجاهد في سبيل الله إحد الحسنيين.. إما النصر والعزة في الدنيا، وإما الشهادة والجنة في الآخرة، وقد حرص الإسلام على تربية أبنائه على روح الثقة بالنفس، والثقة بالنصر، فكان يقول لهم "وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " وحذر جنود المسلمين من روح الهزيمة والتقهقر، الا ان يكون منحازا إلى فئة، و متحفزا لقتال ،وهو يجعل الموت أمرا هينا ما دام في سبيل الله وفي طاعة اوامره، فإن من ورائه حياة أخرى أعظم وافضل من حياة الدنيا.

مفهوم الحرب في الإسلام
أو العقيدة العسكرية الأسلامية:
من المهم هنا قبل أن نتكلم عن العلوم العسكرية في الإسلام أن نشرح نظرة الإسلام إلى الحرب، ونلخص هذا المفهوم في عدد من النقاط الرئيسية: ــ

أولا أن السلام هو الغاية والهدف.. والحرب احدى وسائل تحقيق السلام وفي ذلك يقول القرآن الكريم.
- "ادخلوا في السلم كافة" البقرة 208
- "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" الأنفال 61.
- "فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا" النساء90.

ثانيا أن الحرب في الإسلام نوعان:
1- دفاعية: لحماية أرض المسلمين وعقيدتهم، وفي ذلك يقول القرآن:
ـ "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " البقرة 194
- "والذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة "واحدة "النساء 102 ) .
ـ وخذوا حذركم ".
- "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا" الحج 39"
ب هجومية: وليس الهدف منها الغزو والاستعمار وقهر الشعوب أو إكراه الأمم على اعتناق الدين، ولكن الهدف تحرير إرادتها وحريتها لكي تختار الدين الحق.. دون قهر من الحكام أو الغزاة وفي ذلك يقول تعالي.
- "لا إكراه في الدين قد تبين الرشدى من الغي ".
- "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " البقرة 25 .
- ثالثا: أن الشدة في القتال لا تعني القسوة ولا الوحشية ولا الظلم، فقد أمر المسلمون بالشدة في القتال بمعنى العزم والحزم وعدم التراجع فقال: "ولا تولوهم الأدبار".
"حتى اذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق " محمد 47
" قاتل الكفار واغلظ عليهم ".
ب- وفي نفس الوقت أمروا بالرحمة والعدل والرفق بعد الانتصار فقال تعالي: "ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا".
"فإما ما بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها". محمد 47
"وإن حكمتم فاحكموا بالعدل ".
"ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ".

كان هذا هو الجانب العقائدي تحدثنا عنه بايجاز شديد وبقي الجانب الآخر الذي هو موضوعنا الرئيسي من هذا البحث وهو الجانب العلمي من العسكرية الاسلامية.

فعندما نزل أمر الله للمسلمين بالجهاد.. لم يكلهم إلى عقيدتهم وحدها، ولم يكتف بمعنوياتهم العالية، بل قال لهم (وأعدوا)،والامر بالاعداد هنا لا يقتصر على السلاح وحده.. بل يشمل التنظيم الشامل المتواصل للحرب ماديا ومعنويا، وابتداء من تعليم الضبط والربط والنظام، الى التدريب المتواصل على كل الاسلحة، الى دراسة الخطط الحربية إلى معرفة جغرافية المناطق والمواقع.. ثم الحرص على الاسلحة الحديثة والمتطورة والتدريب عليها.. ومنذ اللحظة الاولى لنزول الامر بالجهاد.. ابتدأ الرسول (صلعم) يعلم اتباعه ويعدهم للانطلاقة الكبرى لنشر الدين في اقصى بقاع الارض بل كانت تعاليمه (صلعم) بمثابة مدرسة لتخريج القادة العظام لامن جيله فحسب بل على مر العصور والاجيال.

النظام الانضباط في الجيوش الاسلامية
كان بدو الصحراء لا يعرفون النظام.. ومن الصعب عليهم ان يقفوا في صف احد.. أو صنع طابور.. فجاء الإسلام ليربيهم تربية جديدة فيها النظام وفيها دقة المواعيد.. وفيها الطاعة والضبط والربط فأمرهم بالوقوف في صف واحد للصلاة.. الكتف في الكتف والقدم بجوار القدم لا يتأخر احدهم عن أخيه ولا يتقدم، وينذرهم بأن (الله لا ينظر إلى الصف الأعوج) اي أن الصف كله يتحمل وزر من في لف النظام من أعضائه، وعلمهم المحافظة على المواعيد، الى حد الدقيقة والثانية فإذا أن المؤذن للصلاة لا يتغيب أحد ولا يتقاعس أحد، ولو كان تجارة أو طعام لانفضوا عنه لكي يستجيبوا الى داعي الرحمن وإقامة الصلاة، ومن هنا فقد تعلم جنود المسلمين الضبط والربط ودقة المواعيد لأن هذه كلها من أصول العبادات ومن أوامر الدين التي يؤدونها كل يوم خمس مرات في حياتهم اليومية..

ولا يقتصر هذا الإنضباط في الاسلام على فريضة الصلاة وحدها، بل إن كل فرائض الإسلام الأخرى من حج وصوم وزكاة.. تربي المسلم على معنى الإنضباط والالتزام.

وبفضل هذه التربية لم يكن من الصعب على قادة المسلمين إعداد الجيوش في ايام معدودة، أو تجميع الامدادات وإرسالها أو تحريك الكتائب لمباغتة العدو في فترات قياسية، ففي الجيوش العادية يجازي من يتخلف عن التجنيد بالغرامة او السجن، أما في جيوش الاسلام، فإن الجزاء أشد من ذلك بكثير، إنه خسارة دينه ودنياه، وحرمانه من نعيم الجنه، وتحضرنا هنا قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن نداء الجندية في عهد الرسول.. بغير مرض ،ولا عذر قاهر، فلما اكتشفوا هول الخطأ الذي ارتكبوه في حق دينهم ودعوتهم وابتعد عنهم الناس وقاطعوهم حتى زوجاتهم وأولادهم، فضاقت بهم الدنيا بما رحبت ولم يجدوا مخرجا من الله الا التوبة له.. فربطوا أنفسهم
بالحبال.. وانعزلوا في بقعة من الأرض لا يأكلون الطعام، وكادوا أن يهلكوا لولا ان نزل عليهم أمر الله بالعفو والغفران وإنذارهم ألا يعودوا لمثلها أبدا، فكانت تلك الحادثة قدوة وعبرة للأجيال من بعدهم ألا يتخلف احد عن داعي الجهاد، ولا يتأخر.

ومع مضي الزمن، وتطور الحروب الإسلامية والفتوحات كان النظام والطاعة من العوامل الرئيسية في انتصارات المسلمين، فكان الجندي المسلم لا يستطيع أن، في لف قائدة أو يعصي أمره، أما القادة فكانوا فيما بينهم مثال، التواضع والز هد في المناصب، والبعد عن الغيرة الشخصية وجو الدسائس ،وعندما حاصر المسلمون مدينة القسطنطينية على عهد الخليفة سليمان بن عبدالملك وهو الحصار الذي استمر شهورا متوالية.. كان في الجيش جميع أمراء بني أميه.. ومنهم المرشحون للخلافة، ومع ذلك فقد كان القائد يعاملهم كأى، جندي عادي.. ويوقع عليهم من المسئوليات والواجبات بل وأيضا العقوبات كأي جندي آخر.. وهذا مثل راق لما وصل إليه المسلمون من الضبط والربط.

نظام التجنيد.. والديوان:
عندما ابتدأت الدعوة الاسلامية إلى الجهاد كانت الجندية تطوعا وامتحانا للعقيدة والايمان، ثم تحول التطوع إلى واجب والتزام لا يجوز لمسلم مهما كان عذره أن يتخلف عنه إلا أن يكون واحدا من ثلاثة حددهم القرآن في قوله تعالى:
" ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج "الفتح 17"

فالمرض المزمن مثل أمراض القلب والرئتين وكذلك العمى والعرج أوالمقصود بالأعرج كل صاحب عاهة تمنعه عن القتال، هذه هي الأسباب الثلاثة الوحيدة التي تعفي من التجنيد في الاسلام ومازالت هي نفس الأسباب في عصرنا الحديث، وطبيعي أن يكون السن شرطا آخر وقد حدد بخمسة عشر عاما وكان الرسول يرد من هو أصغر من ذلك، أما كبر السن فلم يكن له حد لمن أراد تطوعا.

وعندما تولى عمر الخلافة وتوسعت فتوح الاسلام اصدر أول أمر بالتجنيد الالزامي فقال في خطابه إلى ولاة الاقاليم لا تدعوا أحدا من أهل النجدة ولا فارسا إلا جلبتموه فإن جاء طائعا وإلاحشرتموه " ،وهكذا لم يكن يعفي من التجنيد في دولة الإسلام إلا غير المسلم لأن أهل الذمة معفون من الجندية، ولم يكن التجنيد إلزاميا للمرأة، ولكنه حق لها اذا وافق زوجها،فكانت نساء الصحابة يشاركن مع الرجال في الفتوحات الإسلامية الاولى.. فشاركن في فتوح فارس والشام ومصر بل شاركن في معارك البحر في ذات الصواري، وكان عمل المرأة تجهيز السلاح ومداوة، الجرحى وطهو الطعام ورعاية الخيل، فإذا احتاج الأمر شاركت في القتال الفعلي.

وكان يجري إحصاء الجند وتسجيلهم في ديوان الجند، وبموجب الديوان يعطي الجندأعطياتهم ما داموا على قيد الحياة، فإذا استشهد الجندي ينقل ديوانه إلي أهله.

وكان من وسائل الاحصاء في الجيوش (2) الاسلامية أن يمر كل جندي امام قائده أو رئيس وحدته.. فاذا وقف أمامه رمى بسهم من كنانته في مكان معين وبعد انتهاء المعركة يعاد العرض ليأخذ كل جندي سهما.. فالأسهم التي لم يأخذها أحد تبين عدد الشهداء والجرحى،وكان الجند في الجيش الاسلامي نوعين:
جنود محترفون ونظاميون وهؤلاء لا عمل لهم سوى القتال، ويصرف عطاؤهم من، بيت إلي ل علاوة على أسهمهم من الغنائم، وجنود متطوعون يلحقون بالجيش من البوادي والأمصار والبلاد المفتوحة (من المسلمين) ويتم تجنيدهم أثناء الفتوحات والقتال ولهم نصيب من الغنائم ولكن ليست، لهم رواتب .

وكان عدد الجند في أواخر عهد الرسول (صلعم) ثلاثين الفا من المشاة وستة آلاف فارس وفي عهد أبي بكر وعمر بلغ... ر. 15 ثم زاد العدد باطراد الفتوحات وتوسعها، فيذكر ابن خلدون أن الخليفة المعتصم قد غزا عمورية بجند عدده... ر. 90 أي قرابة المليون.

والمسلمون أول من ابتكر نظام الدواوين والإحصاءات وكلمة الديوان عربية انتقلت عن العرب إلى أوروبا وما زالت حتى اليوم مستعملة وهذا دليلا على فضل الحضارة الاسلامية.

الاستخبارات والتجسس:
لقد برع المسلمون في الاستخبارات وكان القائد المسلم قبل أي معركة من المعارك الحاسمة يحرص على أن تكون لديه حصيلة وافية عن قوات العدو وأرضه، وقيادته وطباعه وعاداته، وكان هذا أحد أسرار الانتصارات الاسلامية الكبرى، والقرآن الكريم يذكرهم بأهمية الاستخبارات فيقول تعالي
- " ولينذروا قومهم اذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " التوبة 122.
- "يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم " النساء71
- "ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة" البقرة 195.

وقد ضرب الرسول نفسه القدوة لكل القادة الذين يأتون من بعده في أهمية الاستخبارات ففي كل غزواته كان يرسل عيون الاستطلاع، وفي بدر قام بنفسه بالاستكشاف وأخذ معه أبا بكر، وأيضا أرسل حمزة وعليا وسعد بن أبي وقاص وعبيدة بن الحارث، في حملات أخرى لاستكشاف أخبار العدو، ومع تعدد مصادر معلوماته كان (صلعم) يراجعها ويطابقها ببعض للوصول إلى أدق الحقائق ويقوم بتحليلها حتى يعرف كل شيء عن العدو، ومن أهم وسائله (صلعم) بث العيون الثقات في مكة، يوافونه بالأنباء من أعلى المستويات، ومن هذه العيون عمه العباس وبشير بن سفيان العتكي وهما اللذان أفاداه بأهم المعلومات عن نوايا قادة قريش وتحركاتهم.

وقد استخدم الرسول الشفرة السرية، لإخفاء مضمون رسائله فكانت له شفرة شفوية وأخرى مكتوبة ،ففي غزوة الخندق أرسل سعد بن معاذ إلى يهود بني قريظة لمعرفة مكائدهم وأمره عند عودته أن لا يفصح عن أخباره لأحد حتى لا يوهن عزم المسلمين، بل يستعمل ( لحن القول) كنوع من الشفرة الشفوية وفي إحدى سراياه الاستطلاعية التقى بأعرابي فأخذ يسأله عن قريش حتى عرف، منه كل شيء ثم سأله البدوي بدوره "من أنتم " فقال : "نحن من ماء" وتركه مسرعا فأخذ البدوي يتعجب لهذا الرد ويقول "فكل الناس من ماء"

ومن قادة المسلمين الذين نبغوا في الاستخبارات عمرو بن العاص، فكان يتنكر بنفسه في زى التجار ويدخل معسكرات الرومان في مصر، وكانوا إذا أرادوا التفاوض ذهب بنفسه في زي جندي عادي من الوفد وترك غيره يتكلم وهو يستمع ويتطلع ويلاحظ. دون أن يعرفوه، وهكذا لم يكن يعتمد على الجواسيس المحترفين من العرب والقبط وحدهم، بل يستطلع بنفسه، ويدرس عقلية قادة الأعداء وأفكارهم بنفسه.

الحرب النفسية في الاسلام :
الحرب، النفسية من أهم عناصر كسب المعارك، ويعتبر الرسول أول قائد عسكري في التاريخ يكسب معركة كاملة بالحرب النفسية وحدها، وذلك في معركة مكة.. فقد كان حريصا في فتح مكة بالذات أن لا يريق نقطة دم وأن لا يستعمل السلاح في هذا الحرم المقدس. حتى لا تكون تلك سابقة لانتهاك حرمة الكعبة، وقد اتبع الرسول في ذلك أسلوبا فريدا:

- فقد جعل الفتح سرا لا يعرفه أحد سوى الخاصة من القادة.. حتى يضمن عنصر المفاجأة .
- وقطع المسافة بين المدينة ومكة مرحلة واحدة دون راحة حتى يصل قبل أن تعرف بأمره استخبارات قريش.
- ووصل في الليل فحاصر مكة من كل جانب بعشرة آلاف جندي رابط بهم على سفوح الجبال.
- وأمر جنوده أن يشعل كل واحد منهم نارا عالية فأشعلوا عشرة آلاف نار حتى أدخل الروع في نفوس السكان وأوهمهم بأن عدد الجند أكبر من ذلك بكثير لأن العرف جرى أن النار الواحدة تكفي عشرة جنود..
وعندما حضر أبو سفيان للتفاوض مع الرسول أمر بحبسه في خيمة دون أن يكلمه أحد حتى أدخل الروع في قلبه وظن أن مصيره القتل.
- ثم أمر عمه العباس أن يصطحبه ليرى استعراض جيش الرسول وهم يهتفون هتافاتهم الإسلامية تشق عنان السماء، ورأى الكتيبة الخضراء من أصحاب الرسول، في ملابسهم المتناسقة ونظامهم الدقيق حتى قال للعباس "والله يا عباس.. إنه لا قدرة لأحد على هؤلاء"

وأخيرا بعد أن بلغ به الانبهار والانهيار النفسي مبلغه، اكرمه الرسول بأن جعل كل من دخل بيته آمنا.
وبذلك سلمت مكة دون قتال..

كل هذا التكتيك الحربي كان بمثابة دروس يلقيها الرسول على القادة من اتباع أمته.. حتى يعملوا بالحرب النفسية على كسب المعارك بأقل قدر من الخسائر سواء من بين جنودهم أو جنود عدوهم، لأن رسالة الاسلام ليست في القتل والخراب. ولكنها في الهداية وكسب القلوب.

السلاح في الجيوش الاسلامية
علماء المسلمين طوروا السلاح
من السيف والسهم إلى ة والمدافع

عندما قامت دعوة الاسلام.. كانت الاسلحة التقليدية المعروفة هي القوس والرمح والسيف، وقد استعمل الرسول (صلعم) في حروبه وغزواته كل هذ5 الاسلحة، فكان يرمي بالنبال إذا كان العدو بعيدا ثم يرمي بالرمح اذا اقترب العدو منه، ثم يضرب بالسيف اذا واجهه العدو.

وقد كون (، صلعم) فرقا متخصصة في جيشه، كل منها يختص بسلاح معين، فهناك فريق الرماة بالنبال ، وفريق يختص بالرماح.. وفريق ثالث من المشاة حاملي السيوف.

وكان رماة المسلمين يوم أحد خمسين راميا وضعهم الرسول في مكان يسيطرعلى مسرح المعركة كله، وقد رمى الرسول عن قوسه المكتوم حتى صار شظايا.. ثم استعمل الحربة، ثم السيف حتى حول الهزيمة الى نصر.

تطور السلاح الاسلامي
وقد وضع الرسول (صلعم )،بنفسه مبدأ تطوير السلاح وكان حريصا أن يحصل جيشه على أحدث الأسلحة في عصره،. فمن ذلك أنه رأى في يد الزبير بن العوام، بعد عودته من هجرة الحبشة نوعا جديدا من الرماح يقال له (العنزة) ،وكان الاحباش يصيدون به الوحوش بدقة متناهية، فأمر الرسول ان يصنع لجيشه مثلها، وأمر الزبير أن يدربهم عليها، كذلك كان الرسول أول من أدخل في جزيرة العرب المنجنيق والدبابة فأرسل إلى الشام وفدا لتعلم صنعهم وقد صنعهم قبل حصار الطائف وقذف بهم الأسوار والحصون.

وبفضل هذا المبدأ الذي وضعه الرسول كان المسلمون من بعده يحرصون على تطوير سلاحهم بالدراسة والعلم والتجربة.. حتى جاء يوم أصبح السلاح العربي مضرب الأمثال فى الجودة والمتانة والكفاءة .

ا) فمن هذه التطورات صناعة الصلب العربي الذي تصنع منه الأسلحة فقد بلغت هذه الصناعة أوجها في دمشق والقاهرة، وأصبح السيف العربي لا يدانيه سيف، آخر من حيث حدة شفرته وعدم قابليته للصدأ أو الاعوجاج، وكان التوصل إلى هذا النوع من الصلب بفضل علماء المسلمين في الكيمياء الذين وضعوا الكتب والمؤلفات بعنوان مثل:

"فيما يوضع على الحديد والسيوف حتى لا تثلم ولا تصدأ"، وقد ظلت صناعة هذا النوع من الصلب العربي سرا لا يعرفه الغرب ،ولم يكتشف الامن عهد قريب عندما أعلنت إحدى الجامعات الأمريكية أنها توصلت إلى تحليل معدن السيوف العربية القديمة .

2) أيضا تفنن المسلمون في الأسلحة الثقيلة كالدبابة والمنجنيق لمهاجمة الحصون فكان أول استعمالهم لها بعد الرسول في حصار دمشق سنة 13 هـ كما ادخلوا عليها الكثيرمن التطور، وفي حصار (الديبل) في بلاد السند كان لدى الجيش الإسلامي منجنيق هائل يدعى (العروس) بلغ عدد الجنود الذين يحركونه ويرمون عليه خمسمائة جندي.

وقد استعمل ابن الرشيد في حصار (هرقلية) في بلاد الروم منجنيقا يرمي الحصون بنار حارقة مكونة من خليط من الكبريت والنفط والحجارة وملفوف في الكتان، وفي الحروب الصليبية ابتكر المسلمون آلة جديدة اسمها (الزيار) ترمي أعدادا كبيرة من السهام الثقيلة دفعة واحدة.

3) كذلك كان المسلمون أول من اخترع حرب الغازات:
فقد جاءت جماعة من طائفة الاسماعيلية فعرضت على صلاح الدين اختراعا من ابتكارهم يعتبر أول استعمال للغازات في الحرب.

وذلك بأن تحرق مجموعة من الأعشاب المخدرة (3) في موضع قريب من جيش العدو بحيث يكون اتجاه الريح نحوهم فيسبب التخدير للجيش كله وينومه مما ساعد صلاح الدين على مباغتة الصليبيين وهزيمتهم، وقد طور المسلمون هذا السلاح، فصنعوا منه (القبرة) وهي قنبلة يقذفونها بالمنجنيق على معسكر العدو وهي مشتعلة وتحتوي على مزيج من البنج الأزرق والأفيون والزرنيخ والكبريت فإذا تفاعل الكبريت والزرنيخ تولدت عنه غازات حارقة وخانقة.
4- صناعة
5- المدافع: وسوف يأتي حديث مفصل عنها في باب الاختراعات الإسلامية الحاسمة في التاريخ.

المخطوطات العسكرية الإسلامية
لقد اهتم المسلمون بالدراسات العسكرية النظرية، وألفوا الكثير من المخطوطات في كل المجالات فمنها دراسات حول صناعة السلاح وتطويره، ومنها دراسات عن التدريب على السلاح واستعمالاته، ومنها دراسات عن الخطط العسكرية وفنون التعبئة وتحريك الجيوش.

وقد أحصى المؤرخ الاسلامي ابن النديم الكتب والمراجع في هذه المجالات فإذا بالتراث العلمي العسكري الإسلامي من أغنى المراجع في التاريخ وقد كتب هذا الباب بعنوان "فيما كتب في الفروسية وحمل آلات الحرب والتدبير الحربي ".

ويتكون هذا التراث العلمي من قسمين. قسم ألفه العرب والمسلمون وقسم مترجم نقلوه عن الفرس والروم والهنود، فمن الكتب المترجمة عن الاغريقية كتاب "فن الحركات الحربية" لمؤلفه اليانوس الاغريقي. وهناك كتب ترجمت عن الدولة الرومانية (4) مثل كتاب Taktikon، " عن التكتيك الحربي لمؤلفه ليون السادس وكتاب Stratigikon ،وهو عن الاستراتيجية لمؤلفه ككاومنوس في القرن العاشر الميلادي.

0 comments:

إرسال تعليق

.