بحث عن التحنيط


 شك أن المصرى القديم كان شامخاً وعظيماً ، فالحضاره القويه لا يمكن أن تنشأ إلا من روح أنسانية خلاقة ومبدعة ، فكما برع المصريون القدماء فى الفنون المعمارية برعوا كذلك فى علوم من أهمها علم التحنيط الذى لم يتم التوصل الى كل أسراره حتى الآن ، فمازال التحنيط لغزاً يحير كل محبي الحضارة الفرعونية بالرغم من مجهودات علماء الأثار فى التوصل لبعض المواد المستخدمه فى التحنيط .

ظهرت دراسة علمية جديدة أن قدماء المصريين كانوا يستخدمون خلطات معقدة من المستخرجات النباتية ، والحيوانية لتحنيط موتاهم ، وقد أجرى باحثون بريطانيون تحاليل لثلاث عشرة عينة من المواد التي  استخدمها قدماء المصريين في تحنيط مومياواتهم ، وأظهرت التحاليل وجود مجموعة كبيرة جداً من المكونات من بينها أنواع من الدهون الحيوانية والزيوت النباتية وشمع العسل والأصماغ النباتي ، قد اكتشف الباحثون أن مواد التحنيط التي ابتكرها الفراعنة كانت عبارة عن مزيج من مواد رخيصة الثمن ، وأخرى ثمينة ونادرة في ذلك الوقت مثل زيت الأرز والعرعر اللذين كانا يستوردان من خارج مصر .
لقد أهتم المصرى القديم بعلم التحنيط لما كان لديه من نظرة فلسفية عن العالم الآخر ، فهي رؤية بعيدة المدى تؤمن بالبعث والخلود الأبدى ، لقد أعتقدوا فى الحياة الدنيا والآخرة بشكل رمزى وجعلوا النيل مصدر الحياة هو الحد الفاصل حيث أنهم أختاروا البر الشرقي للحياة والعبادة والبر الغربي لإقامة الطقوس الدينية لكن قدرتهم على أستيعاب فكرة البعث والخلود توقفت عند حد معين .
فهم تيقنوا لفكرة بعث الروح أما بعث الجسد فلم يفطنوا اليه مما دعاهم الى الإهتمام بتحنيط الجسد حتى تعود اليه الروح بعد الحساب فإن كان من السعداء يهنأ بالحياة الآخرة ومعه كل مقتنياته الدنيوية ، وهذا واضح تماماً فى تصنيفهم للأشياء التى يتم حفظها وهى :
1-    الروح (با) وهى التى تسكن الجسد ، تمثل بطائر له رأس أنسان تشبة رأس صاحبها .
2-    الروح الحاسه (كا) وهى تحتاج لقراءة التعاويذ لتستقر فى مكانها ولا تفارق الجسد .
3-    هيكل الجسد هيت (خيت) ولابد المحافظه عليه بالتحنيط .
4-    القلب إيب (أي-ب) وكان يأخذ شكل الحجر ويرمز للضمير والأعمال .
5-    الأسم (رن) أسم الميت .
6-    الظل (شوت) وهو يرافق الجسد والروح ويدخل المقبره معهم .
7-    النفس أو الروح الحسنة (أخ) وهى النورانية أو الخير ، وتكتسب بالأعمال الصالحه .


كان يوجد عدة طرق للدفن وذلك بحسب منزلة الشخص وغناه ، في البداية كان الأمر مقصوراً على الفراعنة وموظفي الدولة الكبار ولكن بعد ذلك نشر الأمر على الرعية. 


طريقة التحنيط  :

كانت عملية التحنيط تتم فى معبد التحنيط وتستغرق 70 يوماً منذ الوفاه حتى الدفن وكان الكاهن الذى يقوم بهذه العملية يلبس قناعاً على هيئة ابن آوى رب الجبانه ، وتبدأ خطوات التحنيط بإستخراج المخ عادة عن طريق الأنف بواسطة خطاف من البرونز ، ويصب في الجمجمة سائل عن طريق فتحتي الأنف وعبر قمع ، يساعد على إذابة بقايا المخ العالقة ، وعادة يهتك المخ لضخامة حجمه وضآلة فتحة إخراجه ، أو يخرج المخ من الرأس وذلك نظراً لأن المخ من أوائل الأنسجة التي تتعرض للتحلل والعفن بعد الوفاة .
بعد ذلك يشق الخصر من الناحية اليسرى بحجر أثيوبي ، ومن هذه الفتحة تستخرج الأمعاء والكبد والطحال ، أما الكليتان فتحنطان بالملح ، ثم تضمدان بالشرائط الكتانية ، ثم يشق الحجاب الحاجز لاستخراج  الرئتين ، أما القلب وأوعيته الكبيرة فتترك مكانها، وإذا تم أستئصاله سهواً مع الرئتين يعاد تحنيطه ويوضع في مكانه مرة أخرى نظرا لأهمية القلب لدى المصريين القدماء ، ومن أجل تحرى السلامة وعدم ترك إحتمالات لتلف هذا العضو المحورى ، كان يوضع ما يعرف بجعران القلب مكتوبا عليه تعويذة من كتاب الموتى محل القلب الحقيقي ، ثم يغسل تجويف البطن والصدر بنبيذ البلح والتوابل ، ثم يملأ البطن بمختلف مواد مثل المر والقرفة ، ثم تخيط الفتحة وتعالج الأحشاء بعد ذلك بالنطرون والشحوم والعطور .

وتقسم الأحشاء لتوضع في أربع أوان تعرف "بالأواني الكانوبية" نسبة لمنطقة "كانوب" وهى أبو قير حالياً بالإسكندرية ، وجاء هذا اللقب نظراً لتشابه رؤوس هذه الأواني مع رؤوس معبودات هذه المنطقة .

وتحفظ هذه الأواني أحشاء المتوفى ، ويقوم على حراستها أبناء "حورس" الأربعة وكل منهم كفيل بحماية أحد الأحشاء ، فيحمى "أمستي" وشكله على رأس إنسان (الكبد) ، بينما يحمى "جعبي" الممثل برأس قرد (الرئتين) ويحمى "دوا موت إف" والممثل برأس ابن أوى (المعدة) ، وأخيرا يحمى "قبح سنو إن" الممثل برأس صقر (الأمعاء) ، وتوضع الأحشاء بالقرب من الجسد وأحيانا داخله ، ثم توضع الجثة في النطرون لتجفيفها وتستخرج بعد ذلك لتغسل بالماء وتجفف بالمنشفات وقد تغسل بنبيذ البلح مرة أخرى .

ويحشى تجويف الجمجمة بالراتينج أو بالكتان المشبع بالراتينج بينما يحشى تجويفا الصدر والبطن بالمر والمواد العطرية الأخرى ، ثم تقرب شفتا الجرح ويغطى الجرح بلوح معدني أو شمع العسل ، ويثبت اللوح بصب الراتينج المصهور عليه ، بعد ذلك تدهن الجثة بالزيت والمر ويحشى الفم بالكتان المغمور في الراتينج .

وتعالج الأذن والأنف أحيانا بنفس الطريقة ولا تستخرج العينان بل يضغط عليهما في تجويفهما ثم يحشى التجويف بالكتان ويجذب الجفنان على الحشو ، أو توضع أشياء أخرى في مجري العينين مثل "البصل"، وأحيانا كانت توضع مساحيق التجميل على الوجه أو يوضع شعر مستعار فوق الرأس أو تربط الأظافر بأطراف الأصابع حتى لا تسقط ، وتعالج الجثة كلها بالراتينج المصهور لإكساب الجثة صلابة ولسد مسامها ثم تكسى الجثة باللفائف الكتانية بإتقان شديد بحيث تلتصق اللفائف ببعضها وبالجثة بالصمغ . 

وبالنسبة لعملية اللفائف كانت تتم تغطية الجسد بكفن مباشرة ثم تضمد أصابع اليدين والقدمين بلفائف من الكتان الناعم ثم الرأس بعناية فائقة بدءاً من الكتف اليمنى ثم يضمد الصدر ، والأطراف العليا ثم الأطراف السفلى في النهاية ، وخلال عمليات لف الجثمان باللفائف كان يراق الراتينج والدهانات فوق الأكفان لضمان إلتصاقها وأثناء كل عملية من هذه العمليات كان هناك كاهن يقوم بتلاوة بعض التعاويذ ، وبعد الأنتهاء من إعداد المومياء توضع داخل أغلفتها المصنوعة من الكرتون أو من الخشب .

نجح كيميائي سوري ويدعى "عزام الزهراوي" في اكتشاف سر تركيبة المحلول الذي أستخدمه الفراعنة في التحنيط لنقل الجثة عبر الزمن من الفناء و التحلل السريع الى الخلود ، ويقول أن محلول الخلود مكون من عناصر كيميائية عدة تدخل في تركيبها كربونات الصوديوم و بيكربونات الصوديوم و ثاني أوكسيد الكبريت كلور الصوديوم .
و أضاف أن من أهم خواص هذا المحلول أنه غير قابل للتحلل و قاتل و يوقف عمل البكتيريا ، أي يعطل وظيفة اساسية و هامة للاكسجين ، و هو مبيد فعال لطائفة كبيرة من الحشرات ، و قابل للتخزين سنوات مشيراً إلى إن تحضير المحلول يستغرق ثماني ساعات متواصلة .

كما توصل الزهراوي إلى معرفة طريقة أستخدام القطران في طلاء الجثث المحنطة حيث يقول أن الفراعنة أعلم من التدميرين و اليمنيين في مجال أستخدام القطران فقد حملوه على الجثة تحميلاً و ليس طلاء أو تغطيساً و ذلك بطريقة التبخير ، و أشار الى سر آخر أكتشفه و هو أسباب أستخدامهم ( برداة الخشب ) في حشو الجثث حيث يعود السبب في رأي الزهراوي الى قدرتها على امتصاص 80 % من ماء الجثة كما يمكن امتصاص نسبة تصل الى 100 % اذا تم تصغير قطر البرادة الى 0.5 ديزيم .

كما توصل الى أسباب أستخدام المواد الراتنجية كمواد مطهرة لأنها غير قابلة للتأكسد في  الأوساط القلوية و الحامضية التي تنتج داخل الجثة بعد التحنيط ، و يشير الزهراوي إلى أن إسباب إستخدام الكتان في لف جثث الفراعنة هي عدم نجاح التحنيط بدون الكتان الذي يمتص الرطوبة حتى 200 % من وزنه ماء .

0 comments:

إرسال تعليق

.