سوريا - تاريخ دولة سوريا - كل ماتريد معرفته عن الجمهوريه العربريه السوريه

سوريا

سوريا
الجمهورية العربية السورية
سوريا
علم سوريا  تعديل قيمة خاصية العلم (P163) في ويكي بيانات
سوريا
شعار سوريا  تعديل قيمة خاصية وصف الشعار (P237) في ويكي بيانات

موقع سوريا في الكرة الأرضية
موقع سوريا في الكرة الأرضية


سُورِيَة أو سُورِيَا، واسمها الرسمي الجُمهُورِيّةُ العَرَبِيّةُ السُورِيّةُ منذ 1961، هي جمهورية مركزية، مؤلفة من 14 محافظة، عاصمتها مدينة دمشق، تقع ضمن منطقةالشرق الأوسط في غرب آسيا؛ يحدها شمالاً تركيا، وشرقًا العراق، وجنوبًا الأردن، وغربًا فلسطين، ولبنان، والبحر الأبيض المتوسط، بمساحة 185180 كم مربع، وتضاريس وغطاء نباتي وحيواني متنوّع، ومناخ مترواح بين متوسطي، وشبه جاف. تصنف سوريا جنبًا إلى جنب مع العراق بوصفها أقدم مواقع مهد الحضارة البشرية، واشتقت اسمها حسب أوفر النظريات الأكاديمية من آشور؛ بكل الأحوال منطقة سوريا التاريخية مختلفة عن الدولة السورية الحديثة من ناحية الامتداد والمساحة، وتشير الأولى إلى بلاد الشام، أو الهلال الخصيب.
وجدت آثار بشرية في سوريا تعود لنحو مليون عام تقريبًا، ومدينة دمشق تعتبر أقدم مدينة في العالم، وتحوي البلاد العديد من المستوطنات البشرية الممتدة منذ العصر الحجري، ازدهرت البلاد في العصور القديمة لخصوبة تربتها، وبوصفها طريقًا للقوافل التجارية أو الجيوش، وقامت فيها إمبراطوريات متعاقبة قوية اشتملت أغلبها على الهلال الخصيب برمته، وبرزت منذ القرن الحادي عشر قبل الميلاد الحضارة الآرامية التي استمرت هوية البلاد الحضارية الأساسية حتى استعراب غالبيتها مع حلول القرن الحادي عشر بعد الميلاد. في المرحلة الأنتيكية، كانت البلاد جزءًا من الإمبراطورية السلوقية - وبشكل ملحوظ لقّب الملوك السلوقيون أنفسهم ملك سوريا - ثم الإمبراطورية الرومانية فالبيزنطية؛ وخلال القرون الوسطى بعد فتح الشام، كانت البلاد حاضرة الدولة الأموية - أكبر دولة إسلامية في التاريخ من حيث المساحة - وقامت خلال مرحلة الدولة العباسية عدد من الإمارات والدول ذات التأثير، تلى دوالها قيام سوريا العثمانية التي استمرت حتى الحرب العالمية الأولى. بعد الحرب أعلن استقلال سوريا في 8 مارس 1920 من قبل المؤتمر السوري العام، إلا أن فرنسا رفضت الاعتراف بالمؤتمر، وأصدرت في سبتمبر 1920 مراسيم التقسيم، لاحقًا وبشكل تدريجي حتى 1936 أعيد اتحاد خمسة كيانات ضمن الجمهورية السورية، التي نالت استقلالها التام عام 1946، لتنتهي فترة الديموقراطية البرلمانية القصيرة، والتي تخللتها أزمات عديدة، عام 1963 بقيام نظام الحزب الواحد، الاشتراكي. اندلعت عام 2011الأزمة السورية، التي أدت لدمار واسع في البلاد، ووصفت بكونها أكبر كوارثها في العصر الحديث. الدستور الحالي صدر عام 2012، وهو كسابقه دستور 1973 ينصّ على كون نظام الحكم جمهوري رئاسي.
الشعب السوري، من الشعوب النامية، والمتنوع عرقيًا ولغويًا ودينيًا، ويشكل عرب - مستعربي سوريا السنّة الغالبية بنحو 63% من مجموع الشعب؛ وهناك العديد من السمات الثقافيةللشعب ككل. أبرز المدن والتي يفوق عدد سكانها مليوني نسمة، حلب، ودمشق؛ يبلغ عدد السكان حاليًا 22.5 مليون نسمة، وتنشط الهجرة منذ القرن التاسع عشر وهناك جاليات ضخمة من السوريين في الخارج. تعتبر سوريا من الدول النامية، ذات اقتصاد ضعيف، ومستوى دخل تحت المتوسط، وفساد واسع الانتشار، كان الاقتصاد اشتراكيًا ولم يبدأ بالإصلاح والتخلي التدريجي عنه بشكل فعلي إلا بعد عام 2000؛ في الأساس يعتمد الاقتصاد على الزراعة، والسياحة، والخدمات، مع ثروات باطنية، بعضها غير مستثمر بعد.

أصل التسمية

الكتابة الرسمية لاسم سوريا هي سورية، وذلك يعود للتأثر باللغة التركية العثمانية، التي استخدمت الأبجدية العربية، وكتبت أسماء العلم بالتاء المربوطة، أما في العربية، فالقاعدة توجب رسم الأسماء الأعجمية، وكذلك الأسماء الفوق الثلاثية المسبوقة بياء بألف طويلة. دعيت البلاد باسم سوريا خلال العهد السلوقي في القرن الثالث قبل الميلاد، وعلى الرغم من ذلك فلم يرد في أي من الأدبيات العربية القديمة هذا الاسم، وأول من تناوله معجم البلدان لياقوت الحموي؛ أما في الأدب الإغريقي فإن هيرودت وهوميروس سميّا البلاد سوريا.
التفسيرات المقدمة لمعنى الاسم متعددة أبرزها:
  • أنها سميت نسبة إلى الإمبراطورية الآشورية التي أسست حضارة وثقافة واسعة في الهلال الخصيب، مع إبدال حرف الشين بالسين، وهو أمر مألوف في اللغات السامية. كانثيودور نولدكه أول من اقترح وجود علاقة بين الاسمين. وتلقى هذه الفرضية انتشاراً واسعاً بين الباحثين، خصوصًا إثر اكتشاف نقوش مكتوبة باللغتين اللوية والفينيقية في قيليقية حيث تشير الفينيقية إلى لفظة آشور بينما تذكر اللوية سوريا في نفس المقطع.
  • أنها سميت نسبة إلى صور الواقعة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وقد عرفها الإغريق بهذا الاسم نتيجة العلاقات التجارية المزدهرة بين الطرفين.
أما ما سمّى به العرب البلاد فهو الشام، ولا يزال هذا المصطلح يستخدم للإشارة إلى بلاد الشام كما يستخدم في اللهجات المحكية في سوريا للإشارة إلى مدينة دمشق، وقد تعددت النظريات حول أصل تسمية شام أيضًا أبرزها:[14]
  • أن الشام منسوبة إلى سام بن نوح، كما نسبت لغة البلاد القديمة وهي الآرامية إلى ابنه آرام، مع إبدال حرف السين بالشين وهو أمر مألوف في اللغات السامية.
  • أن الشام في العربية تعني اليسار وبالتالي وانطلاقًا من الموقع الجغرافي للحجاز سميت اليمن نسبة إلى اليمين والشام نسبة إلى اليسار والمعروف أيضًا بالشمال.

التاريخ

التاريخ القديم

أطلال عمريت، الألف الثالث قبل الميلاد.
من خزف أوغاريت، الألف الثالث قبل الميلاد.
الآثار البشرية في المنطقة التي تشكل اليوم سوريا تعود لحوالي 750,000 عام قبل الميلاد، منها أنواع أسترالوبيثكس،ونياندرتال،[16] والإنسان العاقل منذ حوالي 150,000 عام.[17] الاستقرار في الأرض، والعمل في الزراعة يعود لنحو 12,000 عام قبل الميلاد، وتأسيس مستوطنات بشرية عديدة - 700 مستوطنة من العصر الحجري،[18] بعضها لا يزال مستمر حتى اليوم، كمناطق مأهولة مثل دمشق وحلب - يجعل البلاد جنبًا إلى جنب مع العراق أبرز مناطق مهد الحضارةالبشرية.[19] التعقيد الحضاري انعكس منذ الألف الثالث قبل الميلاد، بقيام ممالك مزدهرة، مثل يمحاض، ومملكة ماري على نهر الفرات، والتي امتدت حتى حلب، وكلاهما ضمن الحضارة الأمورية،[20][21][22] ومملكة إيبلا مضمن محافظة إدلب الحالية،[23] ومملكة أوغاريت على الساحل،[24] إلى جانب ممالك أقل أهمية مثل مملكة كانا. في أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، ظهرت الإمبراطوريات الكبرى في الهلال الخصيب على أساس اللامركزية الإدارية،[25] بدءًا من سرجون الأكادي، وبرزت في سوريا الحضارة الكنعانية بعد سقوط الإمبراطورية الأكادية في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد،[26] ثم ظهرت في القرن الثامن عشر ثاني موحدي الهلال حمورابي ضمن الإمبراطورية البابلية التي انهارت في القرن السادس عشر. تعرف القرون اللاحقة وحتى القرن الحادي عشر "بالقرون المظلمة"، وتوالى فيها على حكم سوريا إمبراطورية هندوأوروبية منهاكاشية، وحثية، أو حتى مصرية قديمة. ومع اضمحلال هذه الإمبراطوريات، برزت الحضارة الآرامية من القرن الحادي عشر قبل الميلاد بشكل المدن - الدول مثل مملكة بخياني، وآرام دمشق وغيرهما.[27] وفي القرن التاسع قبل الميلاد، ظهر ثالث موحدي الهلال الخصيب شلمنصر الثالث في الإمبراطورية الآشورية، وتمكن خليفته نبوخذنصر من المحافظة على وحدة البلاد ضمن الإمبراطورية الكلدان حتى 531 قبل الميلاد حين غدت سوريا وحتى الفتح السلوقي مزربانية فارسية.[28] في جميع تلك المرحل، تطورت أنواع مختلفة من الآداب، والقيم الاجتماعية، والفنون، والتجارة مع آسيا الصغرى، وأرمينيا، ومصر، وفارس، وبحريًا عبر المتوسط؛[29] والعمارة، والعلوم خصوصًا الهندسة والفلك.[30] الحضارة الآرامية بوجه خاص، استمرت ما بعد سقوط الممالك الدول الآرامية، بشكل الهوية الحضارية واللغة الخاصة بسوريا مع تمايز فينيقي في الساحل.[31]

سوريا الأنتيكية

ما تبقى من الرواق الرئيسي في مدينة أفاميا التي بناهاسلوقس الأول.
المدرج الروماني في بصرى عاصمة الولاية العربية الرومانية التي شملت القسم الجنوبي من سوريا، وهي مدرجة على لائحة التراث العالمي.
فتح الإسكندر المقدوني الهلال الخصيب عام 333 قبل الميلاد، وتفككت إمبراطوريته بعد وفاته، فكان الهلال الخصيب من نصيب سلوقس الأول الذي سمّى نفسه «ملك سوريا»، وعلى نهجه سار خلفاؤه؛ متخذين من أنطاكية التي بناها سلوقس مركزًا لحكمهم، وقد ظلّت أنطاكية عاصمة البلاد حتى نقلها إلى دمشق زمن الفتحترك السلوقيون، آثارًا عمرانيّة بارزة، وشيدوا 34 مدينة، واعتنوا بالتجارة، كما انتشرت الثقافة الهيلينية في البلاد، لاسيّما في المدن والمراكز التجاريّة. كدّرت تلك الحقبة بسلسلة الحروب السوريةالتي قامت بين السلوقيين حكام سوريا والبطالمة حكام مصر، والتي انتهت عام 198 قبل الميلاد بضم سوريا الجنوبية إلى المملكة مبعدًا النفوذ المصري عنها؛ وكان قبلاً قد وسّع من أملاكه شرقًا حتى حدود أفغانستان.
في القرن الأول قبل الميلاد، ضعف السلوقيون وتفككت أوصال دولتهم، وتمكّن ديكران ملك أرمينيا من احتلال أجزاء من البلاد عام 69 قبل الميلاد، وبعدها بفترة وجيزة، فتح الرومان سوريا عام 64 قبل الميلاد تحت قيادة قيادة بومبيوس الكبير، ودعيت المنطقة "ولاية سوريا الرومانية"، والتي قسّمت في وقت لاحق إلى ولايات أصغر حجمًا منها الولاية العربية ومركزها بصرى وسوريا السعيدة ومركزها أفاميا. تفاعل السوريون مع الفتح الروماني، واستطاعت العائلة السيفيرية المنحدرة من مدينة حمص أن تخرج خمسة أباطرة لروما خلال سيطرتها على العرش بين عامي 192 و236 وإلى جانب فيليب العربي بين 244 و249.[37][38][39] ويذكر في هذا الإطار أيضًا مملكة حمص والإمبراطورية التدمرية التي تمتعت بحكم ذاتي ثم ثارت على روما وحازت نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا واسعًا خلال عهد الملك أذينة ثم زوجته زنوبيا قبل أن يدمرها الرومان عام 272.[40] ترافقت هذه الأحداث التاريخية مع انتشار المسيحية في البلاد منذ قرنها الأول، كما تدلّ التنقيبات والحفريات الأثريّة، والتي تركت آثارًا على اللغة والأدب والفلسفة، وقد أقرّ مجمع نيقية اعتبار أسقف أنطاكية من متقدمي العالم المسيحي.
برزت سوريا خلال القرنين الرابع والخامس كمعبر تجاري هام قوامه طريق الحرير الذي كان يبدأ في الصين وينتهي قرب أنطاكية،وتطورت اللغة الآرامية واشتقت منها اللغة السريانية التي باتت لغة سوريا اليومية، وبزغت العلوم والآداب متمثلة بالمدراس والجامعات وأبرزها في الرها ونصيبين وحران وغيرهم، وشابت القرن السادس اضطهادات طائفية، وانهيار الوضع الاقتصادي بنتيجة زيادة الضرائب واندلاع الحروب بين الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الساسانية، التي تمكّن الفرس على إثرها من دخول البلاد فاستطاع كسرى الأول عام 540 أن يحرق حلب وينهب أنطاكية وأفاميا وأعاد كسرى الثاني الكرة عام 613 فدمر دمشق وقتل معظم سكانها، ثم استرد هرقل سوريا بهجوم مضاد على الفرس عام 628.[48][49][50]

الأمويون والعباسيون

واجهة المسجد الأموي في دمشق والذي شيده الوليد بن عبد الملك.
فتحت أغلب المدن السورية سلمًا عام 636 أيام خلافة عمر بن الخطاب وتحت قيادة أبو عبيدة بن الجراح.بعد فترة وجيزة من الفتح، كانت سوريا إحدى معاقل الحرب الأهلية الأولى في الإسلام، والتي انتهت عام 661 بتأسيس الدولة الأموية وانتقال عاصمة الخلافة إلى دمشق. استمرّ الأمويون بحكم سوريا 132 عامًا، ازدهرت خلالها البلاد وانتعش اقتصادها وحركتها الفكرية كما تدلل كتابات المؤرخين والآثار المعمارية الباقية.اما الثورة العباسية عام 749 كانت وبالاً على البلاد لاسيّما دمشق بوصفها عاصمة الدولة السابقة، وفي المقابل برز اهتمام الخلفاء العباسيين خلال أوج قوة الدولة بوادي الفرات والمنطقة الشرقية على وجه الخصوص، كما استقرّ بها عدد من الخلفاء والقوّاد والأمراء طلبًا للراحة و"حسن المنظر".[60] توالى على سوريا خلال ضعف الدولة العباسية العديد من السلالات الحاكمة التي أسست دولاً شبه مستقلة في كنف الدولة العباسية، ازدهرت البلاد في عهد بعضها كالحمدانيين، ولعلّ أهمها على الإطلاق كانت الدولة السلجوقية التي تمكنت من إعادة البلاد إلى طاعة الخليفة العباسي بعد أن دخلت في طاعة الخلافة الفاطمية ردحًا من الزمن.[61] مع ضعف السلاجقة، تفككت الدولة إلى إمارات مستقلة، في مختلف المدن والمناطق التي سرعان ما تطاحنت في حروب أهلية، مع إهمال الاقتصاد وتكاثر الكوارث الطبيعية، ذلك لم يمنع البلاد من كونها موئلاً للشعراء، والفلاسفة، والفقهاء، والرحالة، والهجرات. أواخر القرن الحادي عشر تمكنت الحملة الصليبية الأولى من تأسيس ممالك لها في الساحل السوري، وقامت الحملة الصليبية الثانية بحصار دمشق، إلا أنها فشلت في دخولها.[62] وتمكن بعد ذلك، الزنكيون من توحيد شمال البلاد، ثم استطاعصلاح الدين الأيوبي الذي ور ثهم، من توحيد مصر والشام في سلطنة واحدة واستعادة القدس، إلا أن معاركه مع إمارتي أنطاكية وطرابلس اقتصرت على الكر والفر، ليترك للمماليكالذين خلفوا الأيوبيين استكمال السيطرة على الشام بطرد الصليبيين من أنطاكية عام 1268 وطرابلس عام 1285؛[63][64] غير أن دمشق وحلب في الفترة ذاتها قد أحرقتا ودمرتها بنتيجة الغزوات المغولية بقيادة هولاكو، الذين تمكّن المماليك من طردهم بعد معركة عين جالوت، وتلاها بقرن دمارهما مع مدن أخرى لمرة ثانية نتيجة غزوات تيمورلنك عامي 1400-1401، وعمومًا فإن العهد المملوكي تمثل بالإهمال، وانتشار المجاعات والأوبئة، وانهيار الاقتصاد، وكثرة الانقلابات العسكرية، وثورات نواب المماليك في المدن السورية،[65] وانتشار الأمية، حتى انخفض عدد السكان إلى الثلث أيام حكمهم الذي دام نحوًا من ثلاثة قرون؛[66][67] يستثنى من ذلك مدينة دمشق، التي أحاطها المماليك بعناية خاصة واعتبروها "عاصمة ثانية" بعد القاهرة.[68]

سوريا العثمانية

جانب من قصر العظم والذي بني عام 1749 ليكون مقرًا للوالي العثماني، وقد اعتبره فيليب حتي "أروع أثر عربي في القرن الثامن عشر".[69]
امتدت فترة الحكم العثماني على سوريا سحابة أربعة قرون منذ أن سحق السلطان سليم الأول جيش المماليك في معركة مرج دابق شمال حلب يوم 24 أغسطس 1516، ومنها ملك مدن البلاد سلمًا وعلى رأسها دمشق في 26 سبتمبر 1516، وحتى انسحاب العثمانيين منها في أعقاب الثورة العربية الكبرى والحرب العالمية الأولى في أكتوبر 1918. في بداية عهدهم، أبقى العثمانيون بلاد الشام ضمن تقسيم إداري واحد، وحتى مع تتالي تعقيد التقسيم الإداري ظلّت الإيالات والولايات تشمل مناطق جغرافيّة هي اليوم بمعظمها تتبع مختلف دول بلاد الشام، أي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، إضافة إلى قسم ضمته تركيا على دفعتين، وقد دعيت الولايات الثلاث والمتصرفيات الثلاث في القرن التاسع عشر "الولايات العثمانية السورية".
عرفت دمشق وحلب خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر ازدهارًا اقتصاديًا وسكانيًا، وساهم في ذلك كون قوافل الحج تجتمع في دمشق لتنطلق إلى الحجاز،[75] وأغلب قوافل التجارة البرية نحو الخليج وفارس والعراق تمر من حلب؛[76] استمر الوضع الاقتصادي خلال عهد ولاة آل العظم في القرن الثامن عشر جيدًا، لكن عهد الفوضى والحروب بين الولاة ساد في ذلك الحين، فضلاً عن النزعات الاستقلالية أمثال ظاهر العمر وأحمد باشا الجزار وفخر الدين المعني الثاني؛ ولقرون عديدة لاسيّما في الريف فإن إرهاق الشعب بالضرائب، وهجمات البدو، وانعدام الأمن، وجور أغلب الإقطاع المحليّ، وانتشار الأمية كان أبرز سمات العهد العثماني.في عام 1831 دخلت البلاد في حكم محمد علي باشا، وكان حكمه فيها حكمًا إصلاحيًا من نواحي الإدارة والاقتصاد والتعليم، إلا أن سياسة التجنيد الإجباري التي انتهجها أدت إلى تململ السوريين من حكمه، وقيام ثورات شعبية متتالية ضده بين عامي 1833 و1837، وقد استطاع السلطان عبد المجيد الأول بدعم عسكري من روسيا القيصرية وبريطانيا والنمسا استعادة سوريا عام 1840.
خلال المرحلة الأخيرة من الحكم العثماني منذ 1840 وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 ازدهرت البلاد ونمت طاقاتها الاقتصادية بسرعة وعرفت ازدهارًا ثقافيًا وسياسيًا في المدن الكبرى وبعض المدن المتوسطة مثل حمص، مشكلة بذلك أحد أجنحة النهضة العربية، وكان تأسيس المطابع، ودور النشر، والمجلات، والصحف، والمدراس الوطنية والأجنبية، والجامعات، والجمعيات الوطنية السياسية والعلمية أحد أبرز وجوهها؛ بكل الأحوال، فقد انحصرت مرحلة النهضة بالمدن الكبرى أو المتوسطة ولم تصل إلى الريف الذي ظلّ بأغلبه مهملاً ومسيطرًا عليه من قبل الإقطاع. ورغم زوال الحكم العثماني، لا تزال آثاره المعمارية قائمة في المدن الكبرى خاصة ممثلة بالقصور والحمامات والمساجد والخانات والأسواق، كما أن عددًا من العادات والمفردات اللغوية والمأكولات التركية أصبحت جزءًا من تراث وثقافة الشعب السوري.

المملكة، الانتداب، الجمهورية الأولى

حفل تولي هاشم الأتاسي الرئاسة في مبنى المجلس النيابي، 21 ديسمبر 1936، ويظهر في الصورة ملقيًا خطابه الأول.
أدت النهضة العربية، للمطالبة بإصلاحات إدارية للدولة العمانية جوبهت غالبًا بالتسويف والرفض من قبل الدولة،[83][84] وهو ما خلق تباعدًا مها، استفحل بعد مجاعة 1915، وسياسة جمال باشا السفاح، وموجات الهجرة إلى العالم الجديد، والتجنيد الإجباري خلال الحرب العالمية الأولى،[85] وهو ما أدى لإنطلاق الثورة العربية الكبرى عام 1916، والتي استطاعت مع فرق من قوات الحلفاء دخول سوريا في آخر سبتمبر 1918.في العالم التالي التأم المؤتمر السوري العام، أول برلمان سوري معاصر، وأعلن الاستقلال وقيامالمملكة السورية العربية عام 1920، غير أن الحلفاء رفضوا الاعتراف بالكيان الجديد، وقامت فرنسا بحلّه بعد معركة ميسلون في يوليو 1920،[88] لتبدأ مرحلة الانتداب الفرنسي، بصدور مراسيم التقسيم لأراضي المملكة التي أنت تشمل بلاد الشام لعشرة كيانات مستقلة، اتحدت خمس منها لتشكيل سوريا الحالية، أولاً عن طريق الاتحاد السوري عام 1922 الذي أعلنته فرنسا لتخفيف من حدة الانتقاد لسياستها، ثم استبدل عام 1925 بالدولة السورية، وهو العام نفسه الذي شهد اندلاع الثورة السورية الكبرى التي استمرت حتى 1927، وفي العام التالي، وكنتيجة غير مباشرة للثورة، جرت انتخابات الجمعية الدستورية التي وضعت دستور الجمهورية عام 1930،[91] وانتخبت عام 1932 محمد علي العابدكأول رئيس للجمهورية. السنوات اللاحقة من النضال ضد الانتداب تشمل الإضراب الستيني، ومعاهدة 1936، ووصول الكتلة الوطنية للحكم برئاسة هاشم الأتاسي،[92] واحتجاجات 1939 بعد فصل لواء إسكندرون،[93][94] واحتجاجات 1941 ضد الأزمة الاقتصادية التي اندلعت خلال حكم بهيج الخطيب أثناء الحرب العالمية الثانية، التي تمكن الحلفاء فيها من السيطرة على سوريا بعد معركة دمشق 1941، وكانت قبلاً تابعة لحكومة فيشي؛[95] وقد أعلن الحلفاء استقلال سوريا، ونظمت انتخابات 1943 التي انتخبت شكري القوتلي رئيسًا. بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، اندلعت انتفاضة الاستقلال، التي أفضت لنيل البلاد استقلالها الكامل عام 1946.[96][97]
أدت الهزيمة في حرب 1948، واحتجاجات 1948، لأزمة في النظام السياسي المستقل حديثًا، افتتحت سلسلة انقلابات عسكرية بدءًا من انقلاب حسني الزعيم، وبعده بثلاث أشهر انقلاب سامي الحناوي، ثم انقلاب الشيشكلي الأول بعد التحضير للاندماج مع المملكة العراقية ضمن مشروع وحدة الهلال الخصيب، وفي عام 1950 كتب دستور جديد دعي "دستور الاستقلال"،[100] وأفضى انقلاب الشيشكلي الثاني عام 1951 إلى تسلّمه السلطة منفردًا حتى خلع بنتيجة احتجاجات 1953، وانقلاب 1954.[101] تعرف الفترة اللاحقة الممتدة حتى 1958، باسم ربيع الديموقراطية، والتي تميزت بسوء العلاقات مع تركيا، وتصاعد النفوذ الناصري الذي وصل ذورته بإعلان الجمهورية العربية المتحدة مع مصر عام 1958 بضغط من ضباط الجيش،[102] وهو نفسه وبنتيجة "أخطاء الوحدة" أعلن فك الارتباط معها بانقلاب عام 1961؛ بعدالانفصال نظمت انتخابات 1961 وانتخب ناظم القدسي رئيسًا.[103][104]

الجمهورية الثانية

بالانقلاب 1963 قامت فرق بعثية في الجيش بالانقلاب على الحكم في 8 مارس، وهو ما أدى إلى إلغاء الدستور، وحل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ونفي غالب الطبقة السياسية إلى خارج البلاد، فضلاً عن إعلان حال الطوارئ. السنوات اللاحقة تميزت بالصراع داخل أجنحة البعث المختلفة، ما أدى إلى انقلابين آخرين الأول هو انقلاب 1966والثاني هو الحركة التصحيحية عام 1970 والتي أوصلت وزير الدفاع حافظ الأسد إلى السلطة، وتخلل الانقلابين خسارة الجولان خلال حرب 1967، وقد أفضت حرب 1973 إلى استعادة أجزاءٍ منه أهمها القنيطرة.[105] عام 1973 أقرّ دستور جديد للبلاد، كرّس نظام الحزب الواحد باعتبار البعث "قائدًا للدولة والمجتمع"، وفي عام 1975 تدخلت سوريا عسكريًا في لبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانية واستمرت بالتواجد حتى 2005. عام 1979 اندلعت انتفاضة بقيادة الإخوان المسلمين تطورت إلى مواجهات عسكرية انتهت عام 1982 بما يعرف بمجزة حماة الكبرى؛[106] كما عانت البلاد في أزمة اقتصادية وكساد في الأسواق بين 1985 - 1990. عام 1991، شاركت سوريا في مؤتمر مدريد الذي قبلت به بالسلام مع إسرائيل مقابل إعادة الجولان، كذلك أخذت تتجه تدريجيًا نحو التخلّي عن المبادئ الاشتراكية باتجاه السوق المفتوحة، لاسيّما بعد تولي بشار الأسد لرئاسة الجمهورية عام 2000، خلفًا لوالده بتعديل دستوري. بكل الأحوال، باستثناء المرحلة القصيرة المعروفة باسم "ربيع دمشق" فعلى مستوى الحريات السياسية والإعلامية ونشاط الأحزاب والمجتمع المدني وحقوق الإنسان وتسلّط أجهزة الأمن، فلم تطرأ تغييرات تذكر على نظام الحزب الواحد.

الأزمة السورية

متظاهرون في ساحة العاصي بمدينة حماة، للمطالبة بإسقاط النظام. يوليو عام 2011.
في مارس 2011 اندلعت احتجاجات ضد الحكم القائم كجزء من الربيع العربي، وسرعان ما توسعت أفقيًا وعموديًا لتشمل معظم محافظات البلاد،[107] وقد ردت عليها السلطة بانتهاكات مختلفة لحقوق الإنسان بما فيها التعذيب وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، وزج الجيش السوري فيها لقمعها،[108] وهو ما أفضى فعليًا منذ 2012 لنشوء مقاومة مسلّحة غير مركزية التنظيم دعيت الجيش السوري الحر، من منشقين عن الجيش النظامي ومتطوعين مدنيين، وبنتيجتها تعسكرت الاحتجاجات، وتحولت إلى حرب مدن، ومعارك تستخدم فيها الأسلحة الثقيلة، وبمشاركة مقاتلين ومنظمات أجنبية - مثل حزب الله، في حين أقرت الحكومة سلسلة إصلاحات من طرفها مثل دستور 2012 الذي ألغى نظريًا "قيادة البعث للدولة والمجتمع".[109][110] وفي ظل فشل المحاولات الدبلوماسية لحلها،[111][112] وعدم تحقيق حسم عسكري، أفضت الأزمة منذ اندلاعها، إلى دمار واسع في البنية التحتية لعدد وافر من المدن السورية، وبروز أزمة اللاجئين السوريين في الداخل وفي الخارج، وإتلاف مواقع أثرية، وشبه انهيار في الاقتصاد، سوى الأعداد المرتفعة باستمرار للقتلى، والجرحى، والمعاقين، والمعتقلين، والمخطوفين، والمختفين.[113][114][115] ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان، مقتل ومصرع 210060 شخصاً، منذ انطلاقة الازمة السورية في الـ 18 من شهر آذار /مارس عام 2011، تاريخ ارتقاء أول شهيد في محافظة درعا، حتى تاريخ 05/2/2015 وقد توزعوا على الشكل التالي: الشهداء المدنيون:100973، بينهم 10664 طفلاً ، و6783 أنثى فوق سن الثامنة عشر، و35827 من مقاتلي الكتائب المقاتلة والكتائب الإسلامية. قتلي المنشقون المقاتلون: 2498 .[116]


0 comments:

إرسال تعليق

.